ص. 1

مدخل لمشكلة الدراسة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

كواحدة من أعظم الأحداث التاريخية في العصر الحديث، كان للحرب العالمية الثانية أثر كبير في نظرة المجتمعات والشعوب والدول إلى المستقبل، فقد خلّفت هذه الحرب الكثير من الدمار والخراب، وصنعت عالـمًا جديدًا، كان للدول المنتصرة فيها حظ وضع الشروط، وفرض نظام عالمي تتولى تلك الدول قيادته، وسعت إلى استغلال ثروات الشعوب من خلال استعمار عسكري فرضت فيه قوانينها؛ ما جعل العالم ينقسم إلى شعوب ومجتمعات قوية تفرض ثقافتها وأيديولوجياتها، وشعوب أخرى ضعيفة بالكاد تجد نفسها في هذا الوضع المتغير الجديد.

لقد كانت الحرب سببًا في الانتقال إلى عالم الصناعة بوتيرة أكثر سرعة مما كان عليه قبل ذلك، كما ساهمت في اختفاء النماذج القديمة للدول القومية ذات النسيج الواحد، نتيجة تزايد هجرة الجماعات إليها، وتعالت نداءات المطالبة بحقوق الأقليات والشعوب الأصلية إثر اختفاء ذلك النسيج القديم كالخلافة العثمانية والامبراطورية النمساوية المجرية، "وتراجعت مكانة القارة الأوروبية، فلم تعد فرنسا وبريطانيا تهيمنان على العالم، بل برز قطبان جديدان هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، كما تغيرت أنظمة الحكم بأوروبا الوسطى والشرقية، حيث نشأت الديمقراطيات الشعبية وتطورت المستعمرات خارج أوروبا واتضحت المطالب المشروعة لحركات التحرر من الاستعمار " (الحرب العالمية الثانية، دت).

ص. 2

وفي ثمانينيات القرن العشرين، وفي خضم العديد من الحركات الفكرية في كل من أوروبا وأمريكا، وبخاصة من شعوب وثقافات ذات أقلية، نشأ مصطلح التعددية الثقافية كاعتراف بالاختلاف الثقافي بين الشعوب ووجوب احترامها، حيث سعت تلك الشعوب والمجتمعات المهمشة إلى التمسك بهذا المفهوم، بقصد إضفاء الشرعية على انتمائهم الثقافي المختلف، والاعتراف بتميزه بدلًا من الانصهار في بوتقة الثقافة الواحدة المهيمنة.

تقول غاليوتي (2010):

في نهاية الثمانينيات قُدمت العديد من الطروحات باسم التعددية الثقافية. ففي الولايات المتحدة، بدأ ذلك مع المعارك التي خيضت حول البرامج التعليمية، وبشكل خاص ضد المعايير التقليدية ومن بينها الأدب الكلاسيكي والمدارس الفكرية الغربية الكلاسيكية التي يجري تدريسها بشكل تقليدي، فظهرت مطالب تدعو إلى توسيع البرنامج التعليمي ليضم النتاجات الفنية والأدبية للثقافات الاخرى.

كما سعى الأمريكيون الأفارقة والهنود الأمريكيون إلى المناداة بمساواتهم في الحقوق وتلبية طموحاتهم، من خلال مناهضتهم لسياسة التمييز العنصري، ولم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا عن العمال المهاجرين في أوروبا، والذين ينحدرون من أصول عرقية وثقافية مختلفة، فقد سعوا بدورهم إلى انتزاع الاعتراف بوجودهم في تلك الدول، من خلال انتزاع الاعتراف والإقرار بخصوصية ثقافتهم والقبول بها (عزوزي، 2012).

وقد انتزعت تلك الأقليات اعترافًا معتبرًا بخصوصية ثقافتهم، تجلى ذلك في أمريكا مثلًا في توسيع البرنامج التعليمي ليضم النتاجات الفنية والأدبية للثقافات الاخرى، بيد أن أوروبا كانت أكثر تقبلًا لتلك الثقافات، وهو ما ساعد على خلق مجتمعات أكثر تنوعًا وحرية، كما حماها من التفكك والصمود في وجه الدعوات الانفصالية.

ص. 3

ولأن لحفظ حقوق الاقليات والجماعات واحترام ثقافتها أثر بالغ في نشر السلام والاستقرار الأمني، وكذلك في حفظ حقوق الإنسان، وفي التنمية أيضًا، فقد ظهر الاهتمام بمفهوم التعددية الثقافية على المستوى الدولي، إذ "تبنت الأمم المتحدة في العام 1992 إعلانًا بشأن حقوق الأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية، كما ناقشت مسودة لإعلان حقوق الشعوب الأصلية" (كيمليكا، 2011، ص19).

وقامت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ومنظمة العمل الدولية والبنك الدولي، بتطوير قواعد ومعايير بشأن حقوق الأقليات، كالإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي، وإعلان مبادئ بشأن التسامح، وهذه القواعد والاتفاقيات ليست ملزمة للدول والحكومات، لكنها تضع إطارًا عامًا لاحتواء التعددية الثقافية (اليونسكو، 1995) و (اليونسكو، 2001).

لقد صيغت تلك القواعد والمعايير وفق أسس ليبرالية قائمة على الحرية والمساواة، مما جعل التعددية الثقافية في العالم تصطبغ بصبغة لا يمكن تحقيقها في أرض الواقع، فليس كل الأنماط الثقافية للشعوب يمكن أن تكون مقبولة في منظومة ينبغي أن تراعي التوافق والتجانس بين كل الثقافات التي تجمعها، كما أن تلك القواعد لم تحتوِ كل الفئات، ولم تراعِ ظروف تلك المجتمعات، الأمر الذي جعلها ترضخ لمطالب وتصورات تضعها دول ومجتمعات دون دول ومجتمعات أخرى (مجيد، 2010، ص189-1198).

ولأن الليبرالية تنظر إلى التنوع الثقافي على أنه صراع بين مكونات مجتمع ما؛ فهي تحاول احتوائه تحت ضابط أو غطاء الهوية الوطنية أو الإقليمية، جاعلة الدين كأحد متغيرات الثقافة، كما تحاول احتواء هذا الصراع الثقافي العالمي تحت ضابط الإنسانية من خلال المناداة بقيم كالحرية والمساواة، مما أفقدها القدرة على تحقيق الأهداف والغايات التي قام على أساسها مفهوم التعددية الثقافية (مجيد، 2010، ص180).

ص. 4

ولعل الصراعات القائمة اليوم في مناطق مختلفة من العالم دليل واضح على خطأ وانحراف تلك القواعد والمعايير أو الأسس التي استندت إليها التعددية، فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبعد سلسلة من الأحداث الدموية في عدد من الدول الأوروبية؛ تعالت الأصوات الداعية إلى مواجهة التعددية الثقافية في عدد من تلك الدول، واعتبارها شرخًا في البناء الثقافي لها، فقد شرح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي موقفه من التعددية الثقافية بأنه: على أي قادم أو قادمة إلى فرنسا الذوبان في المجتمع الموحد، وإذا رفض ذلك فهو ليس مرحبًا به في فرنسا، كما أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن الفشل الكامل للتعددية الثقافية في أوروبا، وقالت إن تجربة تعايش المجتمعات المختلفة مع بعضها البعض في دولة واحدة لم تنجح (الصلح، 2011).

هذا النكوص في مواقف تلك الثقافات المهيمنة ومحاولة حماية بنيانها دليل واضح على عجز الأسس التي قامت التعددية الثقافية عليها في تلك المجتمعات، كما تُظهر بوضوح عجز المؤسسات التربوية وكذلك المنظمات الدولية عن استيعاب كل الثقافات والتوفيق بينها وغرس مفهوم الاحترام والتقدير لأصحابها.

إن دور التربية في المجتمعات متعددة الثقافات تكمن في إعادة تنظيم مساهمات هذه المجموعات، ومنحهم شعورًا بالعزة، وإنصافهم من بعض المظالم التي يمكن أن يكونوا قد تعرضوا لها، كما تهدف أيضًا إلى تطوير التفاهم بين الثقافات المختلفة، لتقليل حدة الصراع الاجتماعي والتوتر العنصري أو العرقي (التعددية الثقافية، 1999، ص486).

في ظل هذه التجاذبات الفكرية والفلسفية لمفهوم التعددية الثقافية، يبرز الإسلام كنموذج حي تمكن منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا في تقبل الثقافات المختلفة والمتمايزة، وحافظ على بنيانها ونسيجها الخاص، مع محاولة تهذيب ما كان متصادمًا مع مسلماته.

لقد كان الإسلام بتشريعاته وتعاليمه غطاءً واسعًا حوى ويملك القدرة على احتواء كل الثقافات، باختلافها العرقي واللوني والفكري واللغوي بل والعقدي أيضًا، في ظل قواعده العامة، وصلاحه لكل زمان ومكان، وتقبله وانفتاحه على المعارف المختلفة.

ص. 5

وتُظهر النصوص الشرعية بكل وضوح أن هذا التمايز الثقافي ليس تصادميًا في الإسلام، بل هو تعارفي، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحُجُرات:13)، قال ابن كثير (2000):

فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبهًا على تساويهم في البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌ يرجع إلى قبيلته (ج13، ص168).

وفي هذا المعنى يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الإسلام لا يمايز بين الناس في صورهم ولا أموالهم، فيقول عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(النيسابوري، دت، ج4، رقم الحديث:2564، ص1987).

كما لا يمايز الإسلام بين الناس في ألوانهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر رضي الله عنه: "انظر! فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى"(المنذري، 1424، ج3، رقم الحديث:4287، ص1089).

بل يتجاوز الإسلام كل المفاهيم والنظم في إقراره للتعددية الثقافية والعرقية من خلال محو أي أثر لهذه الثقافات وخصوصياتها في تحديد نظرته للفرد، إذ يقول النبي عليه الصلاة والسلام وقد خطب أصحابه على راحلته بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل: "يا أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عُبيَّة الجاهلية وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:3270، ص739).

ص. 6

ونظرة الإسلام للثقافات وتقبله لها، تجعل التربية القائمة عليه تربية متعددة الثقافات، جامعة لها، معْنِية بإبراز ضرورة الاحترام والاعتراف بكل التنوعات والاختلافات بين البشر، فللجميع الحق في تعلم كل ما فيه نفعه ورفعته أيًا كان أصله ومصدره.

وفي ضوء تلك الاختلافات بين الغرب والإسلام، سواء على مستوى التنظير للتعددية الثقافية أو على مستوى الممارسات التطبيقية لها في مؤسسات المجتمع عامة، وفي المؤسسات التربوية خاصة، تبرز مشكلة الدراسة الحالية في محاولة التعرف على واقع التعددية الثقافية في الإسلام وفي الغرب، وانعكاسات ذلك على التربية.

أسئلة الدراسة:

يمكن تحديد مشكلة الدراسة في محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية:

1- ما الإطار الفلسفي للتعددية الثقافية؟

2- ما منظور التعددية الثقافية في الغرب؟

3- ما منظور التعددية الثقافية في الإسلام؟

4- ما أساليب تفعيل التعددية الثقافية في المؤسسات التربوية من منظور التربية الإسلامية؟

أهداف الدراسة:

تسعى الدراسة إلى تحقيق ما يلي:

1- التعرف على الإطار الفلسفي للتعددية الثقافية، من حيث المفهوم، والنشأة، والمبادئ التي تستند عليها، ودواعي الاهتمام بها.

2- الكشف عن واقع التعددية الثقافية في الغرب.

ص. 7

3- الكشف عن واقع التعددية الثقافية في الإسلام.

4- تقديم بعض أساليب تفعيل التعددية الثقافية في المؤسسات التربوية من منظور التربية الإسلامية.

أهمية الدراسة:

ترتكز أهمية الدراسة في كونها تسلط الضوء على واحدة من الأسباب الرئيسية لنشوء الصراعات والصدامات بين البشر، وهو التنوع والاختلاف بينهم، وقد أدرك العالم حقيقة ذلك وحاول احتوائه من خلال سياسات تعددية لا تزال تصاغ، والتي لا زالت عاجزة عن احتواء كل ذلك التباين والاختلاف الموجود.

كما تُظهر هذه الدراسة سماحة الإسلام وتقبله للتنوع والاختلاف البشري واحتوائه له، وهو ما يسمح ببناء مجتمع تتحد فيه المبادئ والقيم، وإن اختلفت الأعراق والألوان واللغات والأفكار.

وتُبرز هذه الدراسة أيضًا صورًا من مراعاة الإسلام لكل الاختلافات البشرية: الدينية والعقدية واللغوية والعرقية واللونية وغيرها، مُبيّنة المبادئ التي استند إليها الإسلام في تحقيق التعددية الثقافية المنشودة.

كما تُبرز هذه الدراسة الأدوات والوسائل والأساليب اللازمة والتي وفرها الإسلام لصياغة نماذج تربوية قادرة على احترام التنوع والاختلاف بين الناس من خلال الاعتراف به وإقراره، والحرص على إزالة الفوارق بين البشر، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات.

وقد تشجع نتائج هذه الدراسة الباحثين والمنشغلين بالجانب التربوي على أخذ موضوع التعددية في الاعتبار عند تقديم الدراسات التربوية، أو عند تطوير الأهداف والمناهج والأساليب والوسائل والأنشطة التربوية والتعليمية.

ص. 8

منهج الدراسة:

تستخدم الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، كأداة لتحليل مفهوم التعددية الثقافية في الغرب، ودواعي نشأتها، وأسباب الاهتمام بها عالميًا، وما يتصل بهذه النقطة من تحديد لأوجه التعددية الثقافية في الغرب وفي الإسلام، ومن ثَم الوصول إلى تحديد موقف التربية الإسلامية من التعددية الثقافية على المستوى النظري والتطبيقي.

ويُعرف العساف (1424) هذا المنهج بقوله: "الجمع المتأني والدقيق للسجلات والوثائق المتوافرة ذات العلاقة بموضوع مشكلة البحث. ومن ثم التحليل الشامل لمحتوياتها بهدف استنتاج ما يتصل بمشكلة البحث من أدلة وبراهين تبرهن على إجابة أسئلة البحث" (ص206).

مصطلحات الدراسة:

التعددية: لغة: مصدر صناعي مأخوذ عن المصدر الأصلي تَعدُّد وفعله تَعدَّد. ويقال: تَعدَّد يتعدَّدُ تعدُّدًا، و "تعدد: صار ذا عدد. وهم يتعددون على ألف: يزيدون" (المعجم الوسيط، 2004، ص617).

و "تعددت العناصر: صارت ذات عدد (بعد أن كانت واحدًا)" (عمر، 1429، ج2، ص1464).

قال الفيومي (دت): "والعدد هو الكمية المتألفة من الوحدات فيختص بالمتعدد في ذاته وعلى هذا فالواحد ليس بعدد لأنه غير متعدد إذ التعدد الكثرة" (ص395).

واصطلاحًا: في العلوم الاجتماعية، التعددية هي: "تعدد أشكال الروح الاجتماعية في نطاق كل جماعة، وتعدد الجماعات داخل المجتمع وتعدد الجماعات نفسها" (بدوي، 1986، ص317).

التعريف الإجرائي: التنوع والتباين والاختلاف بين البشر.

ص. 9

الثقافة: لغة: ثَقف الشيء ثَقفًا وثَقافًا، وثُقُوفة حذقه ورجل ثَقِف، وثَقِفٌ وثَقُفٌ حاذِقٌ فَهِم، ويقال ثَقَف الشيء وهو سرعة التعلم، وثَقِفت الشيء حذقته، وثَقِفته إذا ظفرت به. (ابن منظور، 1414، ج9، ص19).

واصطلاحًا: ليس لها تعريف واضح قاطع للجدل، لكن مجمع اللغة العربية عرفها بأنها: العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب الحذق بها. (المعجم الوسيط، 2004، ص98).

وتستخدم كلمة التعددية لتعني الجمع أو الكثرة أو التعدد في أي شيء، وهي كمفهوم ترادف التنوع والاختلاف، كذلك يبرز هذا المفهوم كثيرًا عند الحديث عن مشكلة الأقليات الثقافية المكونة لبعض المجتمعات، حيث لا تعترف الأكثرية بخصوصية الأقلية (برادة، 1997، ص 163).

أما الثقافة بمفهومها العام فتعني كل طرائق الحياة التي طورها الإنسان في المجتمع على مدار التاريخ، بينما تعنى بمفهومها الخاص: أسلوب الحياة السائد بين شعب من الشعوب من حيث أساليب التفكير والسلوك والمشاعر من خلال ما تجسده العقيدة والقانون واللغة والفن والتكنولوجيا والتربية بالطبع (Kneller, 1971, P.49). كذلك تشير الثقافة بمفهومها الضيق إلى العرق والعمر والنوع والنشأة، بينما تشمل الثقافة بمفهومها الواسع القيم والمعتقدات والحالة الاجتماعية والاقتصادية والخبرات والممارسات السلوكية (Yearwood, 2006, p.161).

ومن ثَم، تستخدم التعددية الثقافية كمفهوم وصفي لتدل على الواقع الاجتماعي للثقافات الموجودة والمتنوعة، وكمفهوم نظري معياري لتعني القبول الإيجابي للتنوع السائد بما يتضمنه ذلك من المحافظة على الاختلافات بين الثقافات المتنوعة، وحماية حقوق وخصوصيات الجماعات الثقافية المختلفة، مع دعم المساواة والتسامح والاحترام لهذا التنوع الثقافي (Bass, 2008, pp.133-134 & Heywood, 2007, p.313).

ص. 10

وقد عرفت اليونسكو التعددية الثقافية بأنها: وجود تفـاعل عادل بين الثقافات المتنوعة مع إمكانية خلق تعبيرات ثقافية مشتركة من خلال الحوار والاحترام المتبادل على المستوى المحلي، والإقليمي، والدولي (UNESCO, 2006, P. 17).

التعريف الإجرائي للتعددية الثقافية: يتضح مما سبق أن مصطلح التعددية الثقافية يدور حول التنوع والاختلاف بين الجماعات الثقافية داخل المجتمع الواحد، أو الاختلافات بين الثقافات ذاتها على مستوى الدول، سواء كان ذلك راجعًا إلى العقيدة أو اللغة أو الثقافة أو النوع أو اللون أو غير ذلك.

ومن ثَم تعني الدراسة بالتعددية الثقافية إجرائيًا: طريقة التعامل والتفاعل مع التنوع والاختلافات بين البشر، بما يضمن توفير قدر كبير من الاعتراف العام بكل الأطياف والفئات المختلفة وبثقافاتها وخصوصياتها، ويجنبها الوقوع ضحية ممارسات اضطهادية أو سياسيات عنصرية.

الدراسات السابقة:

لم يجد الباحث -حسب حدود علمه- دراسة سابقة مباشرة تناولت تحليل التعددية الثقافية من المنظورين الغربي والإسلامي، وانعكاسات ذلك على التربية على المستويين النظري والتطبيقي.

ولكن ثمة دراسات عديدة غير مباشرة تعرضت لجوانب من التعددية، استفاد منها الباحث في معالجة موضوعه، ومن أهمها:

الدراسة الأولى:

ص. 11

دراسة هدايات (1421)، بعنوان: التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم داخل دولة واحدة، وهدفت الدراسة إلى معرفة الهدي الإسلامي على وجه صحيح في معاملة المسلمين لغيرهم في بعض مجالات الحياة، وصححت مفاهيم خاطئة حول التسامح الديني، والعلاقة السلمية بين المسلمين وغيرهم. كما هدفت إلى إبراز مزايا الدين الإسلامي على سائر الديانات والنظم في ضمان الحياة الكريمة الآمنة المطمئنة للبشرية جمعاء.

ولم يحدد الباحث المنهج الذي استخدمه في دراسته، لكنه توصل إلى النتائج التالية:

١- إن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم والمسامحة، ولا يغير العلاقة السلمية إلا ما يطرأ عليها من اعتداء غير المسلمين على نحو مباشر أو غير مباشر على حرية الدعوة.

٢- الثابت من ناحية العقيدة عدم إكراه غير المسلمين على اعتناق الإسلام بأي وجه من الوجوه، مع وجوب عرضه عليهم دعوة وتبليغًا، وتمكينهم من ممارسة تعاليم دينهم، وعدم سب ما يعبدون، على أن لا يمسوا بالشعور العام.

٤- تتسع مجالات التعامل الاجتماعي بين المسلمين وغيرهم فيما لا يمس باعتزاز المسلمين بأحقية دينهم، وتميز عبوديتهم وأخلاقهم وشخصياتهم الإسلامية، ولا يمثل سبيلًا لغير المسلمين عليهم، فإن ذلك من الولاء المحرم.

٥- لاتخاذ سياسة مناسبة حيال كل موقف يتخذه الناس من دعوة الإسلام وأصحابها تقرر في الفقه الإسلامي تقسيم العالم إلى ثلاثة ديار؛ دار الإسلام التي تشمل في الوقت الحاضر البلاد التي تقع تحت سلطان المسلمين، سواءً طبقت فيها أحكام الإسلام أو لم تطبق، كذلك مناطق المسلمين التي تقع تحت سلطان غير المسلمين، ودار العهد وهي البلاد التي يتخذ أهلها موقفًا مسالمـًا من دعوة الإسلام والمسلمين، ودار الحرب وهي التي يتخذ أهلها موقفًا محاربًا من دعوة الإسلام والمسلمين.

٦- المواطنة في الدول الإسلامية تتسع للمسلمين بإسلامهم وولائهم لجماعة المسلمين، وغير المسلمين بولائهم للدولة الإسلامية، والفريقان جميعًا يشكلان مجتمعًا إسلاميًا يجريان حياتهم الاجتماعية على النظام العام الإسلامي.

ص. 12

٧- جميع المواطنين في الدولة الإسلامية مكرمون على حد سواء من حيث إنسانيتهم كوضع طبيعي ومنحة ربانية، وخضوع الجميع حكامًا ومحكومين للنظام العام الإسلامي، لا يخل بمبدأ الحرية الدينية التي يجب إعطاؤها لغير المسلمين بتمكينهم من ممارسة عباداتهم وكل ما يلزمها من العناية بدور العبادة وتعاطي كل ما يعتقدون حله في دينهم، وتنظيم أحوالهم الشخصية، ويقف المسئولون في الدولة أمام الجميع موقف المسئولية عن توفير حقوقهم المشروعة.

٨- حقوق المواطنين في الدولة الإسلامية وجدت ضماناتها في صميم الدين الإسلامي، فتحظى باستقرارها في النفوس استقرار الإيمان بتعاليم الإسلام ذاتها، كما تحظى بالثبات بثبوت المقررات الشرعية التي لا تتبدل، وبتواصي المسلمين بعضهم بالتزام الواجب الديني في هذا الخصوص، وإزالة ما يعترض طريقه، ومصداقية ذلك محفوظة في مواقف العلماء والصالحين من أبناء الأمة طوال تاريخ التعايش بين المسلمين وغيرهم.

٩- الأجانب في الدولة الإسلامية هم غير المسلمين الذين لا يرغبون في الإقامة الدائمة على أرضها، وفي تسميتهم بالمستأمنين إشعار بتأكيد توفر الأمان لهم مدة إقامتهم فيها، ولا يقتصر ذلك على الحماية من ظلم المواطنين، بل أيضًا نصرتهم على من يحاربونهم من غير المسلمين، ما داموا داخل الوطن الإسلامي.

التعليق على هذه الدراسة:

أبرزت هذه الدراسة مفهوم التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم داخل بلاد المسلمين، كما حددت أطرًا للتعايش السلمي مع غير المسلمين، أما هذه الدراسة فتتجاوز مسألة التعايش كأحد الأسباب الداعية للاهتمام بالتعددية الثقافية إلى بيان مجمل الأسباب، وكذلك بيان واقع التعددية الثقافية اليوم في الغرب، وفي الإسلام.

ص. 13

الدراسة الثانية:

دراسة القحطاني (2007)، بعنوان: التعددية العقائدية وموقف الإسلام منها، وهدفت الدراسة إلى بيان معنى التعددية العقائدية، وتتبع المراحل التاريخية التي مر بها الفكر الغربي وأسبابها، وكذلك بيان موقف الإسلام من التعددية العقائدية من ناحية الاعتقاد، وبيان موقف الإسلام العملي من المخالفين في العقيدة ممن يعيشون في بلاد الإسلام، وكذلك بيان أضرار التعددية العقائدية ومفاسدها في بلاد المسلمين.

وقد استخدمت الدراسة المنهج التحليلي، كما توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:

1- المقصود بالتعددية العقائدية هو: الاعتراف والسماح لأديان وطوائف ومذاهب المجتمع بإظهار عقائدهم وممارستها والدعوة إليها.

2- التعددية العقائدية ظهرت في الفكر الغربي المعاصر، وذلك بعد أن مرّ بمراحل متقلبة، فمن الاضطهاد الديني، إلى الصدام بين المفكرين الأحرار والكنيسة، إلى ظهور الحقائق والنظريات العلمية، إلى ظهور العلمانية والديمقراطية ثم انبعثت منها التعددية العقائدية.

3- لظهور التعددية العقائدية في الغرب سبب فكري فلسفي، وهو القول بنسبية الحقيقة، وسبب سياسي واقعي، وهو تاريخهم المليء بالحروب والنزاعات الدينية والطائفية.

4- للإسلام موقف اعتقادي من التعددية العقائدية، وموقف عملي، ويتمثل موقفه الاعتقادي أنه أخبر بوقوع التعدد والاختلاف في الأديان وفي الفرق، ثم إنه أخبر بأن الإسلام هو الحق وحده ولا يقبل الله سواه، وحذر من الكفر والافتراق في الدين أشد التحذير، ونفر منهما أبلغ تنفير.

5- الحق واحد لا يتعدد، وعلى ذلك أدلة نقلية وعقلية كثيرة، وأن الحق في شأن العقيدة وفي القضايا الكبرى وفي أحكام الدين القطعية واضح لا لبس فيه ولا غموض.

6- القول بنسبية الحقيقة قول ضال منحرف، وأن له أنصارًا قديمًا وحديثًا.

ص. 14

7- أهل الحق هم أهل الإسلام، وأهل الحق التام من فرق المسلمين هم أهل السنة والجماعة، وأن لهم صفات وسمات يعرفون بها.

8- أهم صفات أهل الحق (أهل السنة والجماعة): سلامة مصادر تلقيهم للدين، وهي: القرآن والسنة، ثم فهمهم للدين بفهم الصحابة والسلف الصالح.

9- الاختلاف والتعدد في الأقوال، منه ما هو مرفوض مردود في الإسلام، ومنه ما هو جائز مقبول. فالاختلاف والتعدد في أمر العقيدة محرم مرفوض، وهي التعددية العقائدية. والاختلاف والتعدد في أمر الأحكام الفقهية غير القطعية أو الأمور الدنيوية جائز مقبول من حيث المبدأ.

10- الاختلاف والتعدد المقبول له ضوابط وقواعد تجعل منه سببًا في قوة الأمة وسعة ثرائها العلمي، وتحكمه من أن يكون طريقًا للتنصل من أحكام الدين، أو سببًا للعداوة والبغضاء بين المسلمين.

11- الموقف العملي للإسلام من المخالفين في العقيدة ممن يعيشون في بلاد الإسلام يجمع بين أمرين، بأن لا يُسمح لهم بإظهار باطلهم، وأن يُعدل معهم وتحفظ حقوقهم.

12- العمل بالتعددية العقائدية في بلاد الإسلام له أضرار عظيمة، ومفاسد مستطيرة على دين المسلمين ودنياهم.

13- كل شبهة يأتي بها دعاة التعددية العقائدية لها في دين الله تعالى ما يكشفها ويبين عوارها.

التعليق على هذه الدراسة:

كما هو واضح فإن دراسة القحطاني تناولت أحد أوجه التعددية عمومًا، وهو التعددية العقائدية وموقف الإسلام منها، وحيث أن للتعددية الثقافية في الإسلام أوجه أخرى لم تتطرق لها الدراسة المذكورة؛ فإن هذه الدراسة تغطي تلك الأوجه، كما تبين موقف الإسلام من هذا التنوع والاختلاف بكافة أشكاله وصوره، وكيفية مراعاتها والتعامل معها.

ص. 15

الدراسة الثالثة:

دراسة الشمري (1428)، بعنوان: العلاقات الإنسانية مع غير المسلمين في ضوء التربية الإسلامية وتطبيقاتها في الواقع المعاصر، وهدفت الدراسة إلى بيان ملامح العلاقات الإنسانية مع غير المسلمين في ضوء التربية الإسلامية، وتوضيح دعائمها، وبيان الحقوق المعززة لها، والتعرف على الضوابط التي تضبطها، واقتراح تطبيقات عملية لتفعيلها، كما هدفت إلى توضيح دور المملكة العربية السعودية في تعزيز العلاقات وتفعيلها في الواقع المعاصر.

وقد استخدمت الدراسة المنهج الوصفي، كما توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:

١- أن التربية الإسلامية أولت جانب العلاقات الإنسانية مع غير المسلمين اهتمامًا واضحًا في مختلف جوانبها وأبعادها وأكدت على تعزيزها اقتداءً بسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم في تعاملاتهم مع غير المسلمين.

٢- أن التربية الإسلامية حثت على تعزيز عيش المسلمين مع غير المسلمين داخل مجتمع واحد في سلام ووئام.

٣- أن التربية الإسلامية رحبت بإقامة علاقات إنسانية مع غير المسلمين داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها.

٤- أن التربية الإسلامية أكدت على ضرورة تربية أتباعها على إقامة علاقات إنسانية طيبة ومثمرة وبناءة مع غير المسلمين في مختلف الأحوال التي تمر بها الأمة حال ضعفها وقوتها.

٥- أن التربية الإسلامية لم تمانع من إقامة علاقات إنسانية مع غير المسلمين على اختلاف مواقفهم من الأمة المسلمة مسالمين أو حتى أعداء، فلا ظلم ولا خيانة ولا غدر.

ص. 16

٦- أن التربية الإسلامية قررت جملة من الأساليب والدعائم والحقوق والضوابط التي تعزز إقامة علاقات إنسانية مع غير المسلمين.

٧- إمكانية قيام المؤسسات التربوية المختلفة بتعزيز العلاقات الإنسانية مع غير المسلمين، وتفعيل البرامج والتطبيقات المتنوعة، وتنفيذها في الواقع المعاصر.

التعليق على هذه الدراسة:

تناولت دراسة الشمري جانبًا مهمًا من جوانب العلاقة بين الفئات المختلفة دينيًا، وركزت على علاقة الإسلام مع غير المسلمين من الناحية الإنسانية، كما تناولت تلك الدراسة الضوابط التي تضبط هذه العلاقة، وتذهب هذه الدراسة إلى تناول علاقة الإسلام مع كل التباينات والتنوعات الأخرى، كالاختلاف العرقي واللوني والعقدي والطبقي وغيرها، هذا فضلًا عن تقديم بعض الوسائل والأساليب التي تسهم في تعزيز التعددية الثقافية في المؤسسات التعليمية في ظل النظام التربوي الإسلامي.

الدراسة الرابعة:

دراسة المحلبدي (1432)، بعنوان: التعايش السلمي في إطار التعددية المذهبية داخل المجتمع المسلم وتطبيقاتها التربوية في الاسرة والمدرسة، وهدفت الدراسة إلى توضيح مفهوم التعايش السلمي والمفاهيم المتعلقة به في الكتاب الكريم والسنة والمطهرة، وإلى بيان أسس التعايش السلمي وضوابطه في الإسلام، وكذلك تقديم تطبيقات تربوية للأسرة والمدرسة لتفعيل التعايش السلمي.

وقد استخدمت الدراسة المنهج الوصفي الوثائقي، كما توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:

1- الإسلام لم يمنع المسلمين من مخالطة ومعاشرة المخالفين لهم في العقيدة والمذهب. وقد جاءت العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على مشروعية التعايش في عدة معانٍ حيوية وأساسية لكل تجمع بشري.

ص. 17

2- أن للتعايش في الإسلام أسسه وضوابطه المميزة، والتي تعكس خصوصيته الإسلامية وتجعله مختلفًا عن التعايش لدى غيره.

3- أن الترابط الأسري مطلب اجتماعي له دور في تهيئة الأبناء للتعايش مع أتباع المذاهب المتعددة خارج محيط الأسرة. كما أن على المدرسة إعدادهم لمواجهة الحياة والعيش بانسجام داخل نسيج المجتمع الواحد.

التعليق على هذه الدراسة:

تناولت دراسة المحلبدي جانبًا مهمًا من جوانب التعددية الثقافية، وهو التعايش السلمي في المجتمع المسلم، ولا شك أن هذا الجانب هو أحد أسباب الاهتمام العالمي بالتعددية الثقافية، إلا أن الدراسة الحالية تلقي الضوء على تجارب الأمم والدول الأخرى في محاولتها احتواء كل التنوعات والاختلافات، كما تقدم هذه الدراسة صورًا أخرى للتعددية الثقافية في الإسلام.

وعمومًا، فرغم الاختلافات الواضحة بين هذه الدراسات السابقة والدراسة الحالية، إلا أنها تتفق جميعًا في التأكيد على الاعتراف بالتعددية والإقرار بوجودها، أما قبول أو اختلاف المجتمعات في ممارستها فيتوقف على شمولية وموقف ثقافات تلك المجتمعات من ممارسات وسياسات الجماعات المختلفة عنها.

وأخيرًا، فقد استفادت الدراسة الحالية من الدراسات السابقة في عدة أمور، منها:

- إثبات إقرار الإسلام للتنوع والاختلاف بين الناس، وسعيه إلى احتواء ذلك التنوع والاختلاف.

- التعرف على بعض أسباب ودواعي الاهتمام بالتعددية الثقافية عالميًا.

- التعرف على بعض الأساليب التربوية في التعامل مع التنوع والاختلاف بين الناس.

ص. 18