ولترجمة المبادئ والأهداف والجهود السابقة إلى ممارسات تربوية، يحتاج المجتمع إلى تجسيد مجموعة من الآليات والوسائل في منظومة التربية منهجًا وأسلوبًا وطريقة وأنشطة. ومن الآليات التي يمكن للمؤسسات التربوية القيام بها في هذا السبيل:

1/ الأســـرة:

تعد الأسرة من أهم المؤسسات التربوية لغرس مبادئ وقيم ثقافة مجتمعها. ولكي تنمو مهارات أفراد الأسرة في التعامل مع مجتمعهم والتفاعل الثقافي مع الآخرين، يمكن الأخذ بالأساليب التالية (السيد، 2010، ص‌ص38-43):

- تعويد الأبناء على حضور المناسبات الاجتماعية وتشجيعهم على ذلك؛ لأن هذا يساعد الفرد في التعرف على المجتمع، حيث يلتقي الطفل بالكبار فيتعلم منهم بعض معايير وقيم المجتمع، كما يلتقي بالصغار فيلعب ويفرح معهم، كما يتعلم الطفل من أبيه ألفاظ المشاركة الوجدانية، وفي كل هذا ينمو الطفل قادرًا على الاندماج في المجتمع ومن ثم التفاعل معه.

- تربية الفرد على إحسان معاملة والديه؛ فإذا تعود الفرد على حسن التعامل مع والديه قاده ذلك إلى حسن التعامل مع المجتمع، والعكس صحيح؛ فإذا أساء الفرد معاملة والديه فمن باب أولى أن يسيء إلى المجتمع الذي يعيش فيه.

- اصطحاب الطفل خارج البيت ليلتقي بأقرانه فيتم التعارف والاختلاط والاندماج، فيتعود الطفل علي أن يعيش مع المجتمع وليس بعيدًا عنهم.

ص. 131

- تعليم الأفراد الآداب الاجتماعية، ومنها: حفظ اللسان عن الهمز، والعين عن اللمز، والقلب من الحسد والغل والكراهية وغيرها من الصفات المذمومة، التي إذا انتشرت في المجتمع جعلته أجزاءً متباعدة، بدلًا من كونه جسدًا واحدًا، أو بنيانًا مرصوصًا. ويلحق بهذه الآداب أيضًا تربية الطفل على توقير الكبير، وقضاء حاجات الآخرين، وتعويده على رد الجميل، وكذلك على إلقاء السّلام ورده، ومراعاة مشاعر الناس وبخاصة الجيران.

- إرشاد الأفراد إلى البعد عن أخلاق الجاهلية، مثل: التشاجر والسب والطعن والضرب، والتعصب وما شابه ذلك، ومن ثم على المربي إرشادهم إلى التحلي بالأخلاق الإسلامية من الصبر والحلم والمودة والتسامح.

- التزام أفراد الأسرة -الكبار- بالممارسة العملية لتطبيق الشعائر الدينية مع دعوة الأبناء للقيام بمثل ذلك.

- تشجيع أفراد الأسرة خاصة الصغار على عمل الخير، وحثهم على العطاء دون مقابل.

- توضيح ما هو غير خير ونبيل من الأعمال بالحكمة والموعظة الحسنة والليونة في المناقشة والحوار.

- عرض صور من حياة ومواقف الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ومن أتى بعدهم من رجال المسلمين العظماء للاقتداء بهم وبمواقفهم في قبول الآخرين والإقرار بوجودهم واحترام حقوقهم.

2/ المسجد:

تستطيع دور العبادة –والمسجد بصفة خاصة- الإسهام بشكل مباشر في تفعيل مبادئ وقيم التعددية الثقافية من خلال (العتيبي، 2001، ص ص277-278):

- تقديم الحقائق الدينية في يسر مع توضيح انعكاساتها على الواقع المعاصر.

- اختيار المفاهيم التي تتناسب وسن الأفراد وعرضها في أسلوب جذاب ومشوق.

ص. 132

- توفر القدوة الحسنة في الداعية أو الإمام داخل دور العبادة وخارجها.

- حسن استخدام دور العبادة وأدواتها لتثبيت التربية وغرس العقيدة الصحيحة.

- قيام دور العبادة بتوعية أفراد المجتمع بالأحداث التي تحيط بهم.

- توضيح مظاهر الحضارة الإسلامية، وإظهار الدور الفاعل والفعال الذي قام به المسلمون في فترات التقدم والازدهار في كافة المجالات والتخصصات.

- الدعوة إلى التوسط والاعتدال في سلوكيات الأفراد والنهى عن التشدد والمغالاة.

- تدعيم إحساس الفرد بالانتماء الديني إلى أسرته ومجتمعه وأمته.

- تركيز دور العبادة على المناشط المختلفة التي تشبع حاجات أفراد المجتمع.

- معالجة مشكلات الشباب بما يتماشى ومبادئ الدين.

- تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، أو رد الشبهات والأباطيل التي يثيرها خصومه.

- تركيز الدروس والخطب على علاج أمراض المجتمع، وتقديم الحلول لمشكلاته.

3/ وســائل الإعـلام:

ص. 133

لتفعيل مبادئ التعددية الثقافية، وفى ضوء محاولات تحقيق هيمنة ثقافة عالمية واحدة، يحتم الإعلام على القائمين عليه -في العالم الإسلامي- التصدي لحملات التشويه التي يشنها الإعلام الغربي ضد الإسلام، ومواجهة المزاعم الباطلة والحملات الإعلامية المغرضة التي تستهدف النيل من الإسلام، وضرورة تقديم برامج إسلامية تعبر عن الصورة الصحيحة للإسلام وتعمل على تصحيح صورة المسلمين لدى الدول الأجنبية وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي يروجونها ضد الإسلام. كذلك ينبغي أن يقوم الإعلام بدوره المفترض في الحفاظ على تراث الأمة من الاندثار، وتسجيل تاريخها الحاضر لحظة بلحظة، وطرح ذلك التراث في سياق تاريخي وحضاري أشمل، مما يعمق إدراك الفرد لقيمة هذا التراث ومغزاه (علي، 2001، ص ص382–384).

ولا شك أن مسئولية الإعلام الإسلامي في تحقيق ما سبق، يمكن أن يكون من خلال (تقرير المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب والإعلام، 2000–2001، ص ص112-113):

- صناعة الأفلام الإسلامية والتاريخية التي تقدم الشخصية المسلمة كما صورها القرآن والسنة، وجسدها السلف الصالح، بهدف توضيح سلوك حياة المسلم، وبهدف كيفية التصدي لمشكلات الحياة.

- ترشيد المادة الترفيهية لتحقيق أهداف التربية الإسلامية.

- تنمية الشعور الإيجابي بالمسئولية التي يقرها الإسلام أمام الله، وأمام الضمير، ثم أمام المجتمع، وذلك من خلال الكلمة الصادقة التي تنتقد كل باطل فتدمغه، وتكفل كل حق وتنشره.

- الاهتمام الزائد بالبرامج الدينية ذات الجهود المنسقة فيما بينها لإبراز رسالة الإسلام على الساحة الثقافية، من خلال توضيح الإعجاز والعطاء القرآني الممتد، ومراعاته لحقوق الإنسان فيما يخص كلًا من الرجل والمرأة والطفل، وكل ما من شأنه تزكية وربط الفرد بدينه ووطنه وأمته.

- مواصلة الجهود لتنقية التراث العربي والإسلامي من كل الشوائب أو التشوهات أو الافتراءات التي لحقت بالأحداث أو الشخصيات على مر التاريخ، وزيادة العناية بجمع وتحقيق ونشر التراث في طبعات ميسرة وبأسعار مناسبة للشباب.

- المواجهة العلمية المنهجية المستمرة لكل ما ينشر أو يذاع في الخارج من افتراءات وادعاءات حول التراث العربي والإسلامي، أو التشكيك في إبداع وعبقرية الإنسان المسلم.

4/ المؤسسات التعليمية:

ص. 134

تعتبر المؤسسات التعليمية مؤسسات تربوية مقصودة، ونعني بالتربية المقصودة: تلك "التي تخضع لبرامج، وتتم في مؤسسات، وتحكمها لوائح، وتضبطها شروط، ويتفرغ لها تلاميذ ومعلمون لتحقيق أهداف محددة، تنتهي بشهادة رسمية" (باجابر، دت)، وهذا يشمل ما يتعلق بهذه التربية من أهداف وغايات، كما يشمل النظام التعليمي العام والعالي، والذي يتم في دور مخصصة لذلك، تُسمى مدارس وجامعات، ويشمل أيضًا الكوادر المعنية بالعملية التربوية وتنظيمها من طلاب ومعلمين ومشرفين، وأخيرًا فإنه يشمل المحتوى التعليمي وطرق تدريسها، والأنشطة والمشاركات والتفاعلات التي تتم داخل تلك المؤسسات.

وليس تقليلًا من أهمية التربية غير المقصودة، وهي تلك التي لا تخضع لمعايير قصدية وشروط محددة، مثل ما يتم في البيت أو في المسجد أو مع مجموعة الرفاق؛ إلا أن التربية المقصودة التي تستند على الخبرات، وتخضع للدراسات، وتستهلك الكثير من الجهود والأموال؛ تحظى بأهمية بالغة من قبل الدول والمنظمات، لما لها من تأثير بالغ ومباشر في بناء الأفراد والمجتمعات، وتحديد توجهاتهم وتطلعاتهم، ولما لها من انعكاس مباشر على جوانب الحياة الأخرى، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

ومن ثَم تعتبر المؤسسات التربوية المقصودة أو المؤسسات التعليمية من أهم المؤسسات التربوية على الإطلاق، إذ يقضي فيها الفرد وقتًا طويلًا على مدار اليوم بقصد واضح ومحدد، وهي التربية والتعليم، على أن هذا الدور الكبير لها لن يظهر ما لم تكن المدرسة فاعلة، ويلخص منصور (2007) مقومات المدرسة الفاعلة بأنها: ذات فلسفة ورؤية واضحة، أهداف ورسالة متميزة، منهج فعّال، أساليب فاعلة، استمرارية طلب العلم، تقويم شامل مستمر، إدارة فعّالة، مدرسون فعّالون، مواكبة للتطور، ذات مناخ مدرسي صحي، ثقافة انضباط عالية، تقوم على التوجيه والإرشاد والترغيب قبل الترهيب (ص‌ص4-9).

ص. 135

وتواجه المؤسسات التعليمية تحديات جمة وضغوطًا متزايدة، نتيجة تسارع التوسع المعرفي، وكذلك نتيجة للتدخل الخارجي، فمنذ 11 سبتمبر "تزايدت الهجمة على وطننا العربي، متهمة دينه وتقاليده ونظم تعليمه بأنها مصدر للإرهاب، وأنها بيئات تولد نوازع العنف والاعتداء على الغير، وأصدرت التقارير والإشارات لتغيير مناهجنا العربية" (شحاتة، 2004، ص178)، كما يشكل الدور الإعلامي -وخصوصًا التلفاز- المناقض لدور المؤسسات التعليمية جبهة أخرى، يتطلب على تلك المؤسسات مواجهتها والتعامل معها.

ولا تنتهي التحديات التي تواجهها المؤسسات التعليمية عند هذا الحد، بل تتجاوزها لتؤثر بشكل كبير على المجتمع نتيجةً لمخرجات تلك المؤسسات، ويؤكد الزواوي (2003) بأن النظام التربوي يعاني أساسًا من أزمة تربوية تختلف حدتها من بلد إلى آخر، منها ما يتعلق بالتعليم وسوق العمل، فنحن نعاني من انفصال ناتج التعليم الرسمي عن مطالب سوق العمل، وغياب التنسيق بين التخطيط للتعليم وللقوى العاملة، وبين ما تتطلبه مشاريع التنمية وأهدافها، كل ذلك في ظل فلسفة تربوية تضع حواجز بين المعارف النظرية والمهارات العملية، ومنها عدم تكافؤ فرص التعليم، وتعدد مسارات التعليم، فهناك ازدواجية تربوية بين تعليم النخبة وتعليم العامة، والعزوف عن مداومة التعليم وسلبية المعلمين، وعدم فاعلية البحث العلمي وانفصاله عن المشاكل العملية، وتدني مستوى الخريجين، والهادر التعليمي الضخم، وفقدان المجتمع ثقته بمؤسساته التعليمية، وعدم تعريب العلوم، وتخلف المناهج وطرق التدريس وضعف الإدارة التعليمية (ص‌ص76-78).

ورغم هذه التحديات والصعوبات التي تواجهها المؤسسات التعليمية، فإنها تضطلع بدور فاعل وبنّاء في ترسيخ قيم التعددية الثقافية الصحيحة التي تتماشى مع الإسلام وتعاليمه، وذلك من خلال مبادئ التربية الإسلامية وأهدافها.

ويمكن إيراد بعض الوسائل والأساليب التي ينبغي على المؤسسات التعليمية التركيز عليها لتعزيز تلك القيم، ولتحقيق نظرة الإسلام إلى التنوع والاختلاف واحترامه والتعامل معه، وذلك من خلال اعتماد المحاور التالية:

1- ترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة:

ص. 136

لأن الإسلام هو ضابط الثقافة وموجهها، فهو يحدد لنا مبادئ وقيم التعامل مع التنوع والاختلاف البشري، ابتداءً من الاعتراف بوجود الاختلاف وإقراره، وانتهاءً بتحكيم السلوكيات وأنماطها المختلفة والمتمايزة بتمايز البشر أنفسهم.

إن ترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة يمنح المتعلمين القدرة على إدراك حقيقة الكون والحياة، ويمكنهم من فهم طبيعة الاختلاف والتعامل معه، كما يمنحهم القدرة على التعايش في عالم المتغيرات، من خلال ضبط كل تلك الأمور بالضوابط الشرعية، ويرى يماني (1998) أن على النظم التربوية والتعليمية في العالم العربي والإسلامي إعداد الناشئة للمستقبل وتهيئتهم للقرن الحادي والعشرين وتمكينهم من مواجهة تيارات العولمة، وذلك بربط الناشئة بالعقيدة الإسلامية وترسيخ القيم والمبادئ في نفوسهم، وتقديم نموذج الحضارات العربية والإسلامية، ثم احترام الإنسان وخصوصياته، وإكساب المتعلمين احترام حقوق الإنسان، ولا سيما التعبير والقدرة على الحوار وحرية الكلمة (ص67).

ويتحتم على المدرسة القيام بترسيخ العقيدة الصحيحة من أجل تمكين الأفراد من تمييز الصواب من الخطأ، وقبول تعدد الصواب، ومحاولة تغيير الخطأ وتصحيحه بالحوار والنقاش والأسلوب المناسب لذلك.

كما أن على المدرسة أن تهدف إلى تنمية الاتجاه العقلي والعاطفي الصحيح نحو الله سبحانه وتعالى ونحو رسوله الكريم، وتكوين الفكر الإسلامي الواضح في ذهن الأفراد، وتحقيق الوحدة الفكرية القائمة على وحدة العقيدة، وتحقيق التوازن بين الدنيا والآخرة، وتكوين ما يسمى بالضمير الديني أو السلطة الذاتية النابعة من داخل النفس، وإمداد المتعلم بالقيم الموجهة للسلوك، وحماية الناشئة من زيغ العقيدة والفلسفات المادية الإلحادية وتنقية الأفكار الدينية من الشعوذة والخرافة والأفكار الخاطئة والبدع المستحدثة وإمداد المتعلم بالمعرفة الدينية والتعريف بالإسلام عقيدة وسلوكًا وبث الاعتزاز به إلى جانب تهذيب النفس وتربيتها على الكمالات والمثل الخلقية العليا (مجاور، 1990، ص‌ص44-49).

ص. 137

ومن العقيدة الإسلامية الصحيحة، يستمد المتعلم:

- القيام بواجبه تجاه ربه، وتجاه نفسه، وتجاه الآخرين.

- أداء الحقوق المترتبة عليه تجاه مجتمعه، من المشاركة الفاعلة والبناءة، من خلال التعاون والتراحم والتعامل الحسن.

- احترام الأديان السماوية وتقديرها، والتعامل مع أتباعها وفق المنهج الإسلامي الصحيح الذي يحدد ما لهم وما عليهم.

- ثقافة الحوار والنقاش والدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة.

- احترام الآخرين وتقبلهم، والتفاضل بينهم على أساس التقوى، والحكم عليهم بحكم الشريعة الإسلامية وميزانها القائم على العدل.

2- توفير الفرص التعليمية العادلة والمتكافئة للجميع:

يحق للجميع باختلاف انتماءاتهم وأعراقهم وأوطانهم وأوضاعهم الاقتصادية الحصول على فرص تعليمية عادلة ومتكافئة في جميع المراحل التعليمية، ويشمل ذلك الدراسة النظامية، والتتلمذ على المعلمين الأكفاء، وتعلم نفس المناهج المتاحة للجميع، وقد دعا الإعلان العالمي حول التربية للجميع والذي عقد في جومتيين بتايلند عام 1990 إلى أنه:

ص. 138

ينبغي تمكين كل شخص سواء أكان طفلًا أم يافعًا أم راشدًا من الإفادة من الفرص التربوية المصممة على نحو يلبي حاجاته الأساسية للتعلّم، وتشمل هذه الحاجات كلًا من وسائل التعلم الأساسية -مثل القراءة والكتابة والتعبير الشفهي والحساب وحل المشكلات- والمضامين الأساسية للتعلم -كالمعرفة والمهارات والقيم والاتجاهات- التي يحتاجها البشر من أجل البقاء، ولتنمية كافة قدراتهم، وللعيش والعمل بكرامة، وللمساهمة مساهمة فعالة في عملية التنمية، ولتحسين نوعية حياتهم، ولاتخاذ قرارات مستنيرة ولمواصلة التعلم. ويختلف نطاق حاجات التعلم الأساسية وكيفية تلبيتها باختلاف البلدان والثقافات ويتغيران لا محالة بمرور الزمن (دوارة، 2011).

ويُظهر هذا المبدأ عالمية التربية الإسلامية، كما يُظهر قيمتها كتربية لا تمايز بين الناس في حق التعلم والتربية، ويندرج في هذا السياق أحاديث الحث على طلب العلم وبذله وتبليغه، كقوله عليه الصلاة والسلام: "نضّر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يُبلّغه، فرُبّ مُبلّغ أحفظ له من سامع" (ابن حنبل، 1996، رقم الحديث:4157، ص221)، فعمومية السماع والحفظ وتبليغ العلم للناس دون تمييز بينهم هو منهج التربية الإسلامية.

3- التمثيل العادل والصحيح لكل الفئات الموجودة:

يشير تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام 2004 إلى أن العالم بأسره يواجه تحديات تعزيز التنوّع وتوسيع الخيارات الثقافية لجميع الناس، ويشير إلى أن هذا ليس مجرد تحديات تجابه قلّة من الدول متعدّدة الأعراق فحسب، إذا ما وضع في الاعتبار أن بلدان العالم والتي تصل إلى قرابة الـ 200 دولة فيها حوالي 500 مجموعة عرقية، كما يوجد في أكثر من ثلثي بلدان العالم؛ أكثر من مجموعة عرقية أو دينية واحدة تشكل ما لا يقل عن 10% من السكان (عوض الله، 2010).

وتشكل الثقافات الوافدة تحديًا كبيرًا للنظام التربوي والتعليمي، إذ أن تجاهلها يعمق من الهوة بين الفئات المتباينة، كما يُوجد تباعدًا غير مرغوب بينها، ويؤكد الشراح (2002) على أنه من المتوقع أن يزداد التصادم بين الثقافات المحلية المستندة إلى التاريخ والتراث وخصائص البيئة المحلية وبين الثقافات الوافدة إليها والدخيلة عليها مما يتسبب في ضياع الهوية الثقافية للمجتمعات الضعيفة (ص524).

ص. 139

ولذلك فإن احترام الفئات الموجودة في النطاق التعليمي والتربوي المستهدف ركيزة أساسية في تعزيز التعددية الثقافية، وهي استجابة لمطالب الفئات المتباينة في المجتمع، كما أن عدم احترامها وتمثيلها يؤدي إلى إنشاء نظام تربوي مواز، وقد يكون متعارضًا أو ضارًا للنظام التربوي الأساسي.

وهذا التمثيل لتلك الثقافات لا ينبغي أن يكون عشوائيًا أو كيفما اتفق، وإنما وفق ضوابط الشريعة الإسلامية وقواعدها الكلية، فأيما سلوك أو نمط ثقافي يتعارض معها فلا ينبغي الإشارة إليه إلا من باب بيان خطره وضرره.

وتمثيل الفئات وثقافتها في التعليم يشمل حقوقها في التعلم في المدارس العامة، أو في مدارس خاصة بها تندرج تحت مظلة النظام التربوي والتعليمي العام، وتنضبط بضوابطه، ويشمل أيضًا تنوع المناهج الدراسية والأنشطة لتشمل تلك الخصوصيات الثقافية المتوافقة مع الإسلام، كما يشمل تعيين المعلمين الأكفاء من مختلف أطياف وفئات المجتمع لترسيخ التعددية والتعامل مع التنوع والاختلاف وتقديره.

4- العناية باللغات وخصوصًا اللغة العربية:

اللغة هي وسيلة التخاطب والتواصل بين البشر، وهي ما تجعل للحياة الاجتماعية معنًى من خلال ما تتيحه اللغة من القدرة على اختصار المشاعر والمكنونات في بضع كلمات، وقد يؤدي سوء استخدام اللغة إلى مشاكل نتيجة ما يترتب عليها من الفهم الخاطئ أحيانًا.

وتشكل اللغة أحد الأسباب الرئيسة لتكوّن المجتمعات والثقافات، كما تعتبر سببًا للتباينات والاختلافات بين الناس، "والمتأمل في تاريخ الأمم والمجتمعات، وتعاقب الأمجاد والحضارات، يُلفي فيها ركنًا ركينًا، وقطبًا من أقطابها متينًا، يُعد من أهم ثوابتها وأصولها، وسبب نشأتها وقيامها، ذلكم هو لسانها ولغتها" (السديس، 1433).

والأمة الإسلامية معنية باللغة العربية ومرتبطة بها، فَبها نزل القرآن، وبها يُتعبد، و "اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (ابن تيمية، دت، ج1، ص469).

ص. 140

فتعليم اللغة العربية هو مفتاح فهم الإسلام والعقيدة الصحيحة، وقد أُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: "تعلموا العربية فإنها من دينكم" (ابن تيمية، دت، ج1، ص470)، وهي ضرورة تستلزمها أساليب التواصل ومهارات الحياة من حوار ونقاش وفهم للآراء وتقبل لها.

ولا يمنع الاهتمام باللغة العربية والعناية بها؛ تعلم اللغات الأخرى، أو تمثيلها في النظام التعليمي، خصوصًا تلك التي تمثل لغة قوم أو فئة ضمن النطاق التعليمي المستهدف، أو تلك اللغات التي تشهد ثورة معلوماتية كبرى ويتطلب الواقع تعلمها لمواكبة التسارع المعرفي، كاللغة الإنجليزية مثلًا.

إن تعلّم اللغات تضمن تواصلًا أكبر بين الناس، وتوسع من النطاق المعرفي الممكن إدراكه واستيعابه، كما أن تضمين تعليم لغات الفئات المستهدفة تعليميًا وتربويًا يمنحها شعورًا بالرضا والاحترام والتقدير لثقافتها.

5- الاهتمام بالتربية الشمولية:

التسارع المعرفي وأدوات التواصل الحديثة من إعلام وإنترنت تفرض واقعًا جديدًا لم يكن معتادًا من قبل، فحيث تعددت القنوات المعرفية وتنوعت خيارات التلقي؛ عجز النظام التعليمي التقليدي عن مواكبة ذلك وإدارته، وهو ما أوجد توجهًا إلى أن تهدف التربية إلى إكساب المتعلمين مهارات التعامل مع المستجدات والقضايا الحديثة، وإلى إكسابهم مهارات الحياة الاجتماعية من تواصل وتعاون ونقد.

ويعدد تيشوري (2005) الاستراتيجيات والطرائق التي تساعد في هذا الجانب، يذكر منها:

- التعلم التعاوني الذي يقوم على تنظيم التفاعل داخل الصف.

- العصف الذهني، وتعني استخدام الذهن في التصدي النشط للمشكلات.

- حل المشكلات من خلال التفاعل بين المعلم والتلاميذ، بمعنى ربط المشكلات بالحياة اليومية.

ص. 141

وهذا يتطلب مناهج تراعي غرس تلك المهارات وتنميتها لدى المتعلمين، كما تتطلب توفر كادر تعليمي مؤهل وكفؤ لإدارة التنوع والتمايز بين المتعلمين، إذ أن هذه التربية لن تلغي تلك الاختلافات، وإنما تتسامى عليها، كما أن التربية الشمولية توسع آفاق المتعلم وتجعله مدركًا لانتماءاته المتعددة وعلاقته بالمجتمع.

6- توفير البيئة المبدعة ورعاية الموهوبين:

أصبح من ضروريات التعليم الحديث، توفير بيئات تعليمية قادرة على استيعاب الاتجاهات السلوكية والرغبات والميول لدى المتعلمين، وهذا يشمل: قاعات دراسة جيدة ومجهزة، وملاعب ومساحات واسعة، ومكتبة علمية متنوعة، ومختبرات مخصصة، وكادرًا تعليميًا كفؤًا.

ويرى شحاتة (2004) أن من مقومات البيئة المبدعة والسياق التعليمي المبدع:

- الحرية والأمان الدراسي ويتحقق من خلال الحرية الممنوحة للطالب، وإثارة الرغبة في التعبير والمشاركة من خلال مواقف تمس أهدافهم وحاجاتهم وميولهم.

- التسامح والديمقراطية في قاعات الدرس، فتتفجر طاقات الطالب من خلال الإثابة والتشجيع.

- المرونة التي تسود سياق التعليم والتعلم، والاعتماد على الحوار والتنافس.

- العناية بأفكار وتخيلات الطلاب، خاصة تلك التي تخالف آراء المعلمين وأفكارهم.

- غرس الثقة في إحساس الطالب، وتقدير آرائه وما أبدعه، ومناقشته فيه (ص108).

ص. 142

ومن جهة الأفراد، فهم لا يستوون في قدراتهم الحركية أو الفكرية، وعليه فإن بروز بعضهم بمواهب أو قدرات خاصة هو أمر وارد، وعلى المدرسة مراعاة هذه الفئة من المتعلمين، إذ كثيرًا ما يتم إغفال احتياجاتهم، وتتم معاملتهم مع غيرهم من ذوي القدرات العادية، و"يمكن الاستشهاد بما قاله جيفرسن من أن أشد أنواع اللامساواة تتمثل في تطبيق معاملة متساوية على أشخاص غير متساويين. ومهما تكن سلامة القصد في السياسات التقليدية فإن حرمان التلاميذ الموهوبين من إمكانيات الحصول على التعليم الملائم إنما يعني حرمان المجتمع من أثمن الموارد البشرية اللازمة لتأمين تنمية حقيقية وفعّالة" (اليونسكو، 1996، ص170).

وهذه البيئات التعليمية المبدعة، وكذلك هذه الرعاية للموهوبين لا ينبغي أن تقتصر على فئات من الناس دون فئات، أو مناطق دون مناطق، بل ينبغي أن تتوفر لجميع شرائح وفئات المجتمع، وإلا فإن ذلك سيؤدي إلى نزعة تمييزية بين الفئات المتباينة، وإلى شعور بالتقليل والتجاهل.

7- تهيئة الكادر التعليمي الكفؤ والفعّال:

يتطلب العصر الحديث تهيئة كادر تعليمي على قدر عالٍ من الكفاءة والمستوى الأكاديمي والمهني والأخلاقي، كادر قادر على التفاعل الاجتماعي الصحيح والمتوازن مع الطلاب باختلاف ميولهم ورغباتهم وأصولهم.

والملاحظ على المعلمين أنهم "موظفون يؤدون عملًا روتينيًا جامدًا هدفه ملء أذهان التلاميذ، وليس تكوين وإثراء خطوات حب الاستطلاع عندهم، وتنمية حساسيتهم ووعيهم وقدرتهم على الاكتشاف، ولن يستطيع المدرسون فعل ذلك إلا بقربهم من أفكار وتخمينات وطهارة وحصانة تلاميذهم" (فريري، 2004، ص‌ص62-64).

فعلى المعلم أن يتمتع بالقدرة على الوصول بالمتعلمين إلى تحقيق أهداف الدرس بفاعلية وكفاءة، من خلال احترامهم وتقدير أسئلتهم، وإعطائهم مساحات واسعة من حرية المشاركة وإبداء الرأي، ومن خلال فتح المجال لهم لممارسة مستويات أهداف التعلم من تفسير وتعليل ونقد وربط وتذوق وإصدار للأحكام، وكذلك ترسيخ قيم احترام الرأي الآخر.

ص. 143

ولا تقتصر أهمية المعلم على دوره المباشر في تنمية الإبداع، وإنما يتعداه إلى ما يتبنى المعلم من اتجاهات إيجابية نحو الابتكارية، وهذا الأمر يتطلب إعادة النظر في تكوين المعلمين قبل الخدمة وتدريبهم أثناء الخدمة بأن يمتلك المعلم صفات المعلم المبدع، وهي: مرونة شخصيته، والثقة غير المشروطة في قدرات الطالب، والإقلال من التقييم والنقد الخارجي، وإشعار الطالب بالأمان وعدم الخوف، واستخدام التشجيع والإثابة، وإدراك الفروق الفردية بين المتعلمين، وإثراء الموقف التعليمي بالأنشطة الإبداعية، وإظهار قيمة أفكار الطلاب، والإلمام بسمات الطلاب المبدعين، أو تشجيع الطلاب للتعبير عن أفكارهم الشخصية ومشاعرهم الذاتية وامتلاك القدرة على التسامح والبهجة والحرية (شحاتة، 2004، ص107).

وبغض النظر عن كون تلك الأدوار للمعلم هي جزء من كفاءته؛ فإن المعلم هو نموذج حي ومثال يُقتدى به بسلوكه وتعامله وأخلاقه، ولا يتأتى ذلك إلا بإخلاصه وتفانيه، وباهتمامه ورعايته للمتعلمين.

وهذه التهيئة للمعلمين تفرض اختيارهم للمهنة حسب الكفاءة والجدارة، لا حسب المناطق أو الواسطة أو القرابة، فالاختيار حسب الكفاءة والجدارة يمنح الكادر التعليمي تنوعًا، ويعكس تمثيلًا عادلًا لأطياف المجتمع وفئاته.

إن تحقيق تلك الوسائل واتباع تلك الأساليب كفيل بجعل المؤسسات التعليمية قادرة على استيعاب كل الثقافات المختلفة بما فيها من تنوع وتمايز، في بوتقة واحدة تحت مظلة التربية الإسلامية، كما أنها قادرة على ترسيخ القيم الإسلامية العامة التي تجعل رابط الدين فوق كل الروابط والانتماءات، وتضمن للجميع تعاملًا عادلًا بغض النظر عن أي متغير كعرق أو لون أو جنس أو وطن.

وبعد عرض أساليب تفعيل التعددية الثقافية في المؤسسات التربوية غير المقصودة إجمالًا، وفي المؤسسات التعليمية تفصيلًا؛ فإن هذا الفصل يكون قد حقق هدف الدراسة الأخير والمتمثل في تقديم بعض أساليب تفعيل التعددية الثقافية في المؤسسات التربوية من منظور التربية الإسلامية.