راعى الإسلام كل التنوع والاختلافات بين البشر، فأقر بعضها، وهذب بعضها، ورفض بعضها الآخر، فلا يتجاهل أي سلوك أو نمط إلا ويبدي موقفًا منه، ويُخضعها كلها لقيمه ومبادئه وقواعده الكلية، ويتعامل معها بحسب ما ينبغي ويُفترض، ولذلك كان الإسلام دينًا عامًا شاملًا كاملًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:3)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهو الإسلام، أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا (ابن كثير، 2000، ج5، ص46)، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام:115)، "صدقًا في الأخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة" (ابن كثير، 2000، ج6، ص144).

ويمكن ذكر بعض صور تعامل الإسلام مع مظاهر التنوع والاختلاف، وفق الآتي:

1- التعددية الدينية:

ص. 101

لا ينكر الإسلام وجود ديانات أخرى غير الإسلام، بل يذكرها ويعددها، ويذكر فضل من تمسك بها من أهلها قبل أن يبلغه الإسلام، فيقول جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:62)، ولكن الإسلام يقرر أيضًا أنه هو الدين المرتضى عند الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران:19)، فكل من بلغه الإسلام ولم يُسلم، لن يُقبل منه دينه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85)، أي: "ومن يطلب غير الإسلام (وهو التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى) دينًا، فلن يقبل منه قطعًا، وهو من الذين وقعوا في الخسران مطلقًا؛ لأنه سلك طريقًا سوى ما شرعه الله، وأضاع ما جُبلت عليه الفطرة السليمة من توحيد الله والانقياد لأوامره" (الزحيلي، 2009، ج2، ص311).

ويتعامل الإسلام مع أرباب تلك الديانات وفق وضعهم وتواجدهم بين المسلمين، فهم على أصناف، منهم: أهل الذمة، وهم: "الذين عقدنا لهم الذمة التي تتضمن حمايتهم وإعطاءهم حقوقهم الشرعية على أن يبذلوا لنا الجزية"، ومنهم المعاهدون، وهم: "الذين نعقد بيننا وبينهم عهدًا أن لا يعتدوا علينا، ولا نعتدي عليهم، وأن لا يعينوا علينا ولا نعين عليهم"، ومنهم المستأمنون، وهم: "الذين طلبوا الأمان على أنفسهم وعلى أموالهم لمدة معينة، فهؤلاء دون المعاهدين، ودون أهل الذمة" (ابن عثيمين، 1422، ج15، ص‌ص249-250).

وهم، أي أتباع تلك الديانات إنما لهم كامل حقوقهم الشرعية وفق التزامهم بضوابط تواجدهم في بلاد المسلمين، وقد أمضى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الجزية شروطًا، عُرفت بالشروط العمرية، وقد ذكرها الإمام ابن حزم في كتابه "مراتب الإجماع"، وقال عنها ابن القيم (1997): "وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها" (ج3، ص1164)، ومضمون تلك الشروط:

- السماح لهم بالبقاء على دينهم، وعدم إكراههم على الإسلام.

ص. 102

- إلزام -أهل الذمة- بدفع الجزية. وحكمة ذلك إظهار علو دين الله عز وجل، وكذلك حمايتهم وكف أيدي الناس عنهم، قال الماوردي (1989): "ويلتزم لهم ببذلها حقان: أحدهما: الكف عنهم، والثاني: الحماية لهم، ليكونوا بالكف آمنين، وبالحماية محروسين" (ص182).

- ألا يتشبهوا بالمسلمين في لباس أو زينة.

- منعهم من إظهار باطلهم، أو الدعوة إليه.

- التضامن مع المسلمين في مواجهة العدو.

- مساندة ومساعدة المسلمين.

على أنه ينبغي دائمًا عند معاملة من يخالف المسلمين دينهم؛ مراعاة الاستطاعة والمصلحة والرغبة في تأليف قلوبهم، قال ابن القيم (1997): "ومن تأمل سيرة النبي وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق تبين له حقيقة الأمر، وعلم أن كثيرًا من هذه الأحكام التي ذكرناها من الغيار وغيره تختلف باختلاف الزمان والمكان والعجز والقدرة والمصلحة والمفسدة" (ج3، ص1321).

وقد ضعف الألباني (1979) هذه الشروط، وقال: "وإسناده ضعيف جدًا" (ص104)، ولكنها وردت بأكثر من طريق غير تلك التي ضعفها الألباني، كما في تاريخ دمشق لابن عساكر والسنن الكبرى للبيهقي، وتفصيل القول في صحة هذه الشروط أو جزئياتها يُرجع إليها في مظانها من كتب أهل العلم.

ص. 103

وقد ضمن لهم الإسلام حفظ كرامتهم الإنسانية، وحقهم في حرية الاعتقاد، وفي التزام شرعهم، وحقهم في العدالة، كما حفظ دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحقهم في الحماية من الاعتداء، وفي المعاملة الحسنة، وكذلك حقهم في التكافل الاجتماعي. (العايد، 2008)، فلا يُكرهون ولا يُجبرون على الدخول في الإسلام، بل يُسمح لهم بحرية العبادة، وإقامة شعائر دينهم، بدون تدخل فيها، كما حرّم الإسلام أذاهم والاعتداء عليهم، وحرّم الجور عليهم وظلمهم، ففي الحديث عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا" (البخاري، 2002، رقم الحديث:3166، ص782)، وتجب حمايتهم والقتال دونهم، وقد أوصى بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بعده، فقال: "وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم" (البخاري، 2002، رقم الحديث:3052، ص751)، كما حث الإسلام على الإحسان إلى فقرائهم وعيادة مريضهم وحسن مجاورتهم، فقد رُوي أن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:1943، ص443)، كما أباح الإسلام أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم إن كانوا أهل كتاب، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (المائدة:5)، "وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس" (ابن كثير، 2000، ج5، ص77).

ولا ينبغي الركون إلى مجرد منح أرباب تلك الديانات حقوقهم، بل ومن واجب المسلمين دعوتهم إلى الحق، ونصحهم، وفتح أبواب الحوار والنقاش معهم باللين والقول الحسن، وتأليف قلوبهم، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:125)، وقد سار النبي الكريم على هذا النهج، ففي الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: "كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار" (البخاري، 2002، رقم الحديث:1356، ص327).

ص. 104

2- التعددية العقائدية:

الاختلاف في العقيدة من أوائل الخلافات التي حصلت بين المسلمين، وتفرقوا بسببها إلى فرق وملل ونحل، مصداقًا لما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة -أو اثنتين وسبعين فرقة- والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:2640، ص595)، وفي زيادة من رواية معاوية رضي الله عنه "كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" (ابن حنبل، 1999، رقم الحديث:16937، ص135)، وقد حصل الخلاف بين العلماء رحمهم الله في معنى الحديث، وفي زياداته، بما لا يمكننا إيراده في هذا الموطن، إذ ليس موطنه، وإنما الحديث يُصدقه الواقع المعاش.

والإسلام يتعامل مع هذا الاختلاف العقائدي بعدالة، إذ لم يُخرج تلك الفرق من الملة، فلا يصح إخراجهم من الدين إلا إذا قام بهم شروط الكفر وانتفت موانعه، وقد وصفهم النبي الكريم بأنهم من أمته، كما نص الحديث على ذلك: "وتفترق أمتي"، وقد أوضح الإمام ابن تيمية (1986) هذا الأمر بقوله:

وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفارًا لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين، فيُستغفر لهم ويُترحم عليهم، وإذا قال المؤمن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشر:10) يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله فخالف السنة، أو أذنب ذنبًا، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم، وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارًا، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد، كما يستحقه عصاة المؤمنين، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرجهم من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل: إنهم يخلدون في النار، فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته (ج5، ص‌ص240-241).

ص. 105

وعليه فينبغي الإقرار لهم بالإسلام، ونصرتهم على أعدائهم، وإعانتهم على من ظلمهم، والعدل معهم، كما يجب على المسلم بذل حق أخيه المسلم عليه، من حسن الجوار والمعشر، ورد السلام، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وبذل النصيحة، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" (البخاري، 2003، رقم الحديث:1240، ص301) و (النيسابوري، دت، ج4، رقم الحديث:2162، ص1704).

على أنه ينبغي توضيح الحق لهم، ودعوتهم، ومناقشتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وبُغض ما حادوا به عن الحق، وكراهية هذا الأمر منهم، وإيضاحه وبيانه للناس، والتحذير من تلك المعتقدات الباطلة بالدليل البيّن الواضح، قال ابن تيمية (2005): "ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين" (ج28، ص231).

3- التعددية المذهبية:

اختلف الفقهاء المسلمون في الأحكام التشريعية وفروع المسائل، بسبب اختلاف فهمهم للنصوص الشرعية، وكذلك بسبب اتساع رقعة الدولة الإسلامية، واختلاف الأمصار وأهلها عن بعضهم البعض، وهو ما أفرز اختلافًا في مصادر التشريع الفرعية نفسها بين المذاهب.

والاختلاف بينهم هو اختلاف تنوع، إذ أنه لا يُتصور وجود اختلاف تضاد في العقيدة الصحيحة، قال ابن تيمية (2005): "وهم أهل السنة والجماعة، وما تنوعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة، فهو بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:69)" (ج19، ص117)، ثم قال بعد أن ذكر صورًا من هذا الاختلاف:

ص. 106

فهذا وأمثاله يشبه تنوع شرائع الأنبياء؛ فإنهم متفقون على أن الله أمر كلًا منهم بالدين الجامع، وأن نعبده بتلك الشرعة والمنهاج، كما أن الأمة الإسلامية متفقة على أن الله أمر كل مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به؛ إما إيجابًا، وإما استحبابًا، وإن تنوعت الأفعال في حق أصناف الأمة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم، ولا أخطأ أحد منهم؛ بل كلهم متفقون على ذلك يصدق بعضهم بعضًا (ج19، ص121).

وقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في فهمهم لكلام وتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ومن ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرد منا ذلك. فذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعنف واحدًا منهم" (البخاري، 2002، رقم الحديث:4119، ص1011).

ولا يمايز الإسلام الناس بحسب مذاهبهم الفقهية، فلا يقدم أحدًا على أحد، ولا فئة على فئة، بل جميعهم مأمورون بالاجتهاد، وقبول الحق عند وروده، كما لا يُلزم الإسلام أحدًا باتباع مذهب أو عالم معين، بل يأمره باتباع الدليل، قال ابن تيمية (2005):

وإذا نزلت بالمسلم نازلة، فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (ج20، ص209).

ص. 107

وقال القرافي (1994): "قاعدة: انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء بغير حجر، وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أو قلدهما، فله أن يستفتي أبا هريرة، ومعاذ بن جبل، وغيرهما ويعمل بقولهما من غير نكير، فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل" (ج1، ص141).

4- التعددية العرقية:

لا يمنح الإسلام أية مزية أو أفضلية لأي عرق أو انتماء اثني معين، بل جعل تقوى الله وعبادته هو معيار المفاضلة بين الخلق جميعًا، فليس لعربي على أعجمي فضل، ولا لأعجمي على عربي فضل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته أيام التشريق: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله" (ابن حنبل، 2001، رقم الحديث:23498، ص474).

ص. 108

ولم يقتصر الأمر على إزالة التمييز العرقي، بل تجاوزه إلى تحريم الافتخار بالأحساب والطعن في الأنساب، وعَدّهما من أمور الجاهلية، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال: "يا أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عُبيَّة الجاهلية وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:3270، ص739)، وعُبية الجاهلية: أي نخوتها وفخرها، وأيضًا عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (النيسابوري، دت، ج2، رقم الحديث:934، ص644)، "والطعن في النسب، معناه: التعيير بالنسب أو أن ينفي نسبه، فمثلًا يقول في التعيير: أنت من القبيلة الفلانية التي لا تدفع العدو ولا تحمي الفقير، ويذكر فيها معايب، أو مثلًا يقول: أنت تدعي أنك من آل فلان ولست منهم، أنت ما فيك خير، هؤلاء القبيلة ولو كنت منهم لكان فيك خير، أو ما أشبه ذلك" (العثيمين، 1427، ج6، ص264).

ولم يثبت تفضيل أحد على أحد، إلا ما ورد في الحديث الصحيح عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (النيسابوري، دت، ج4، رقم الحديث:2276، ص1782)، قال ابن تيمية (دت): "فإن الله تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشًا على سائر العرب، بما جعل فيهم من خلافة النبوة، وغير ذلك من الخصائص. ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة، واستحقاق قسط من الفيء، إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى الله سبحانه كل درجة من الفضل بحسبها، والله عليم حكيم" (ج1، ص385).

ورغم ذلك، فإن من تهاون في اتباع الحق، وسار على هواه، لم ولن ينفعه نسبه، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:2945، ص658)، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء:214): "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبدالمطلب! لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبدالمطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله! سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا" (النيسابوري، دت، ج1، رقم الحديث:206، ص192)، فكل أولئك لم ولن ينفعهم نسبهم وفضلهم شيئًا، برغم قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن يحوزوا ذلك الفضل بعملهم وإيمانهم.

ص. 109

وأكثر علماء الأمة من السلف والخلف ليسوا عربًا، ومع ذلك فقد حازوا السيادة في الأمة الإسلامية وكانوا ينابيع رحمة وفضل وعلم على غيرهم، يقول ابن تيمية (دت) بعد أن ساق ذكر بعض العلماء من أبناء فارس، كالحسن البصري وابن سيرين وغيرهم، وأكد على أنهم أفضل من كثير من العرب، يقول:

وكذلك في سائر أصناف العجم من الحبشة والروم والترك، وبينهم سابقون في الإيمان والدين لا يحصون كثرة، على ما هو معروف عند العلماء؛ إذ الفضل الحقيقي: هو اتباع ما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم من الإيمان والعلم باطنًا وظاهرًا، فكل من كان فيه أمكن : كان أفضل.

والفضل إنما هو بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة مثل: الإسلام، والإيمان، والبر، والتقوى، والعلم، والعمل الصالح، والإحسان، ونحو ذلك، لا بمجرد كون الإنسان عربيًا، أو عجميًا، أو أسود، أو أبيض، ولا بكونه قرويًا، أو بدويًا (ج1، ص370).

5- التعددية في اللون:

لا يمنح الإسلام أية مزايا أو يضع عراقيل أمام الناس بسبب ألوانهم، ولا يأخذ بهذا المتغير إطلاقًا، فمن شرف بعلمه وفضله وتقواه فله منزلته عند الله وعند الناس، بغض النظر عن لونه أأبيض كان أم أسود أم أحمر، ففي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق، يقول: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله" (ابن حنبل، 2001، رقم الحديث:23489، ص474)، ولا ينظر الإسلام إلى طول الناس وأشكالهم وألوانهم في التفاضل بينهم، بل كلهم في ميزان الحق سواء، وإنما يحاسب الجميع بحسب عمله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (النيسابوري، دت، ج4، رقم الحديث:2564، ص1987).

ص. 110

وقد حذر الإسلام من ذم الناس أو التقليل منهم بسبب ألوانهم، أو اضطهادهم بسببه، ففي الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال: "إني ساببت رجلًا فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: أعيرته بأمه؟ ثم قال: إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم" (البخاري، 2002، رقم الحديث:2545، ص616)، عَيّره بأمه وكانت سوداء فقال له: يا بن السوداء، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وعدّ ذلك من أمور الجاهلية التي لا يقبلها الإسلام ولا يرتضيها.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام في إكرامه للناس؛ لا ينظر إلى ألوان بشرتهم، بقدر ما يقومون به من عمل صالح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد (أو شابًا) ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها (أو عنه)، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني، قال فكأنهم صغروا أمرها (أو أمره)، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم" (النيسابوري، دت، ج2، رقم الحديث:956، ص659).

وقد كان تعامل الإسلام مع من اختلفت ألوانهم تعاملًا منصفًا، لا يشوبه تحقير أو تمييز، وكان بعض كبار الصحابة ذوي بشرة سوداء، كسالم مولى أبي حذيفة، وبلال بن رباح، وأسامة بن زيد، وأبي بكرة، ومغيث زوج بريرة، رضي الله عنهم أجمعين، ومن أشراف السوداوات من الصحابيات: أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وحاضنته (ابن الجوزي، 1998)، وقد ذكر الإمام ابن الجوزي نفرًا منهم، من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين، وبين فضلهم، في كتابه: تنوير الغبش في فضل السودان والحبش.

ص. 111

لقد تسامى الإسلام بتعاليمه وقيمه فوق أية متغيرات تقسم الناس بين شريف ووضيع أو محبوب ومنبوذ، ليضع معيارًا واحدًا، يستطيعه الناس جميعًا، ويقدرون عليه، مهما تمايزت واختلفت ألوانهم أو أشكالهم أو صورهم، فمعيار التفاضل هو الإيمان والتقوى، وموعد الحساب هو دار الآخرة، والمحاسِب عدل رحيم.

6- التعددية اللغوية:

يمنح الإسلام اللغة العربية امتيازًا تستحقه بما تحتويه من البيان، فيقول الله تعالى عن كتابه الكريم: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء:195)، فبها نزل القرآن الكريم، وبها يُتلى ويُتعبد، وجمهور العلماء يرون عدم جواز قراءته بغير العربية، قال النووي (دت): "مذهبنا أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب سواء أمكنه العربية أو عجز عنها، وسواء كان في الصلاة أو غيرها، فإن أتى بترجمته في صلاة بدلًا عن القراءة لم تصح صلاته سواء أحسن القراءة أم لا، هذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء منهم مالك وأحمد وداود" (ج3، ص341)، "وإنما تترجم معانيه إلى اللغات الأخرى لتفهيم المعنى وتعليم المعنى حتى يتعلم أصحاب اللغات غير العربية معاني كلام الله -عز وجل- وحتى يستفيدوا من أحكام كتابه -سبحانه وتعالى-، ولكن عليهم أن يتعلموا لفظ القرآن حتى يقرؤوا به في الصلاة وخارج الصلاة باللغة العربية" (ابن باز، دت).

وبالرغم من هذا التفضيل للغة العربية، فإن الإسلام لا يجعله سببًا للتمايز والتمييز بين الناس، فلا أفضلية ولا خيرية لمن تحدث باللغة العربية على من سواه، بل كلهم في الواجبات والحقوق سواء، فلهم الحق في العبادة والدعاء بلغاتهم، قال ابن تيمية (2005): "والدعاء يجوز بالعربية وبغير العربية، والله سبحانه يعلم قصد الداعي ومراده وإن لم يقوم لسانه، فإنه يعلم ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تنوع الحاجات" (ج22، ص489).

ص. 112

وقد احتوى القرآن الكريم على كلمات شتى من لغات متعددة، اكتسبت العربية وأصبحت منه بمجرد ورودها في كتاب الله عز وجل، ومن تلك الكلمات: أباريق وسندس وإستبرق، قيل: هي فارسية الأصل، وإصري وأكواب ورهوًا، قيل إنها بالنبطية، وغير ذلك وقد ساق الإمام السيوطي (1426) مجموعة من تلك الكلمات في كتابه: الإتقان في علوم القرآن.

ولم يحرم الإسلام تعلم اللغات، وإن كرهها بعض العلماء لغير حاجة، إلا أن تعلمها مستحب إذا احتيج إليها. ففي الحديث عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كلمات من كتاب يهودٍ، قال: إني والله ما آمن يهود على كتابي، قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:2715، ص611)، وكانت لغتهم: السُّريانية، قال المباركفوري (دت) نقلًا عن الطيبي:

إذ لا يعرف في الشرع تحريم تعلم لغة من اللغات سريانية أو عبرانية أو هندية أو تركية أو فارسية، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (الروم:22) أي: لغاتكم بل هو من جملة المباحات، نعم يعد من اللغو ومما لا يعني وهو مذموم عند أرباب الكمال إلا إذا ترتب عليه فائدة فحينئذ يستحب كما يستفاد من الحديث (ج7، ص498).

7- التعددية في النوع:

ص. 113

خلق الله سبحانه وتعالى الخلق جميعًا من أصل واحد، وأب واحد وأم واحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:1)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ (النجم:45-46)، فالجنس البشري يتكون منهما، وبهما يستمر، وهما مشتركان في الأصل والمنشأ والمصير، ومشتركان في عمارة الكون، بلا فرق بينهما في عموم الدين، من توحيد الله عز وجل وعبادته، ولا فرق بينهما في الثواب والعقاب، وفي عموم التشريع في الحقوق والواجبات، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97)، وفي الحديث عن النبي الأكرم أنه قال: "إن النساء شقائق الرجال" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:113، ص38).

وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يمايز كلًا من الذكر والأنثى من حيث الخِلقة والطباع والصفات، بما يتناسب مع أدوراهم في هذه الحياة، فليس أحدهما كالآخر، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ (آل عمران:36)، وقد ترتب على هذا التمايز اختلاف بعض الأحكام بما يتوافق مع الاختلاف القائم والحاصل بين الجنسين، كما ترتب عليها قدرة كل جنس على القيام بالواجبات الاجتماعية والمعيشية، وعليها ترتب أيضًا الاختلاف في المهام والمسئوليات، ومن عدل الإسلام ورحمته أن حمّل كل جنس ما يستطيعه ويطيقه، فلم يلزم الرجل بأعباء المرأة، ولم يلزم المرأة بأعباء الرجل، وقد كفل الإسلام للمرأة حقها في التجمل والزينة، وفي الزواج وفي الأمومة، وفي التملك والتصرف، وفق أحكامه ومبادئه.

وإمعانًا في هذا التمييز الأصيل بين الجنسين في خِلقتهما وفي أدوارهما في الحياة، فقد حرم الإسلام تشبه أحدهما بالآخر، لما فيه من الخروج عن الفطرة السوية، ولما فيه من التضييع للحقوق المكفولة لكل جنس، وكذلك التنصل من الواجبات المترتبة على كل جنس، ففي الحديث عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" (البخاري، 2002، رقم الحديث:5885، ص1485).

ص. 114

والإسلام لا يقلل من قدر المرأة ودورها في بناء الأسرة والمجتمع، وفي بناء الحضارة والأمة، بل هي إحدى ركائز ذلك، وإنما حفظ لها حقوقها، وقرر عليها من الواجبات ما يتوافق مع طبيعتها الأنثوية، وألزم الرجل بتحمل نفقاتها أمًا وزوجة وابنة، مع إعطائها الحق الكامل في التملك والتصرف وفق إرادتها، وأمر بالإحسان إليها، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:3895، ص875).

وأكد الإسلام على أن العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على التكامل والسكينة والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21)، قال ابن كثير (2000):

ولو أنه جعل بني آدم كلهم ذكورًا وجعل إناثهم من جنس آخر إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة ولو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما (ج11، ص20).

وعليه فإن نظرة الإسلام للمرأة لا تقل أهميته عن نظرته للرجل، فكلاهما له دوره في الحياة، ويشتركان في عدد من الواجبات والحقوق، ويفترقان في أخرى، بناء على التمايز في الخِلقة والطباع والصفات بينهما، وتعامل الإسلام معهما -الرجل والمرأة- قائم على العدالة المراعية لهذا التمايز.

8- التعددية الطبقية:

يعترف الإسلام بالتفاوت الاقتصادي بين الناس، وبما يؤدي إليه من طبقية تُقسّم المجتمع إلى أغنياء وفقراء وبينهما، لكنه لا يقف من ذلك موقفًا سلبيًا، بل يتخذ خطوات فعالة من أجل تحقيق التقارب بين تلك الطبقات، وسد الفجوة المعيشية والمعنوية بينهم، من خلال ربطهم ببعض في نظام تكافل شامل وبنّاء، كما ويمنع كل أنواع وأشكال التعدي أو الاعتداء أو الممارسات التي تزيد تلك الفجوة وتعزز الطبقية، كالاحتكار والظلم والغصب وغيرها.

ص. 115

لقد سعى الإسلام إلى تشريع عبادات تستند إلى إظهار وتفعيل التكافل والتضامن الاقتصادي، وتعزز من العدالة في المسائل المالية والاقتصادية، كإيجاب الزكاة والحث على الصدقات، وتوزيع الغنائم والفيء، وتقسيم المواريث، وبناء نظام المعاملات المالية والعينية وغير ذلك.

ولا يسعى الإسلام إلى سلب الأغنياء ممتلكاتهم، أو زيادة عوز المحتاجين، بل يقر الإسلام أن هذا التوزيع للثروات هو أمر كوني، خاضع لإرادة الله ومشيئته، ولا يستقيم أمر هذا الكون إلا به، فيسخر الغني للفقير والفقير للغني، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف:32)، أي:

فجعلنا هذا غنيًا وهذا فقيرًا، وهذا ملكًا وهذا مملوكًا، فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا، كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا، (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) بالغنى والمال، (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) ليستخدم بعضهم بعضًا، فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش، هذا بماله، وهذا بأعماله، فيلتئم قوام أمر العالم (البغوي، 1997، ج7، ص‌ص211-212).

ص. 116

وقد امتدح الله سبحانه وتعالى المـُنفقين أموالهم في سبيله، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:261-262)، كما ذم الله سبحانه وتعالى من لم يستجب لأمره بالإنفاق والصدقة وتوعده بالعذاب، فقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران:180)، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" (البخاري، 2002، رقم الحديث:1442، ص350)، بل وذم الله سبحانه وتعالى ترك التكافل والإحسان إلى الفقراء، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الفجر:18)، أي: "لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم على بعض في ذلك" (ابن كثير، 2000، ج14، ص348).

وفي المقابل، فقد امتدح الله تعفف الفقراء وقناعتهم، فقال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:273)، أي: "الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم" (ابن كثير، 2000، ج2، ص477)، وفي الحديث عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقَنّعه الله بما آتاه" (النيسابوري، دت، ج2، رقم الحديث:1054، ص730).

والعدالة الاقتصادية في الإسلام لا تعني المساواة التماثلية، وإنما تعني الاستحقاق، فكلٌ يحصل على ما يستحق بقدر عمله وجهده وسعيه، بعد توفيق الله وفضله، فقد ذهب فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: "ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم؟ ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (النيسابوري، دت، ج1، رقم الحديث:595، ص‌ص416-417).

ص. 117

والإسلام لا يمايز بين الناس في أعراقهم أو ألوانهم أو لغاتهم؛ في الأمر بالإنفاق، أو في استحقاق الحصول على الصدقات، بل جميعهم في التشريعات المنظمة لهذا الجانب سواء، لا فرق بين شريفهم ووضيعهم، ولا بين أبيضهم وأسودهم، ولا بين عربيهم وأعجمهم، كلهم محاسبون على ما اكتسبوه من أموالهم، ومحاسبون على ما أنفقوه، فعن أبي بَرزة الاسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:2417، ص544).

وأخيرًا، وبعد بيان موقف الإسلام من التعددية الثقافية، يمكن القول أن التربية الإسلامية تميزت بخصائص جعلتها قادرة على التعامل مع التنوع والاختلاف بين الناس، استنادًا على خصائص الشريعة الإسلامية نفسها: كالربانية والعالمية والشمولية والتكامل وغيرها من خصائص.

فالتربية في الإسلام ربانية المصدر، مستمدة من كتابه العزيز ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يجعلها ثابتة غير متبدلة، سالمة من النقص، مبرأة من العيب بعيدة عن الحيف والظلم، "فالتوجيه الرباني يوجه الإنسان لأفضل الأخلاق وأنبلها حتى يبني مجتمعًا يسوده العدل والأمانة والإخلاص والعفة وسائر مكارم الأخلاق، ويطهره من الرذائل التي تهدم الفضائل وتفكك المجتمعات" (الحازمي، 2000، ص46).

ص. 118

والتربية الإسلامية موجهة للناس كافة، فهي تكتسب عالميتها باستنادها على آخر الأديان السماوية وهو الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:28)، كما أنها تسعى إلى إيجاد الإنسان الصالح بكل ما تحمله هذه الكلمة من المعاني الإنسانية، فهي تنمي في الإنسان المسلم حسن التعامل مع الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأوطانهم على أنهم بشر خلقهم الله عز وجل، وعلى أن لكل هؤلاء البشر واجبات وحقوق، كلٌ بحسب وضعه وحاله.

والتربية الإسلامية شاملة لكل جوانب البشرية، النفسية والجسدية والصحية والفكرية والسلوكية وغيرها، وتقدم نظرة واضحة للكون والإنسان والحياة، كما تعتني بالإنسان نفسًا وروحًا وجسدًا وعقلًا، "فما ترك الإسلام جانبًا من جوانب الحياة إلا وقد تناولتها الشريعة، وأوضحت لنا فيها الخير من الشر، والطاهر من الخبيث، والصحيح من الفاسد، وبهذا الشمول الذي تتسم به الشريعة الإسلامية فإنها في غاية الكمال" (الحازمي، 2000، ص48).

إن من مجموع تلك السمات والخصائص التي تميزت بها التربية الإسلامية، يمكن إدراك مثالية التربية الإسلامية في التعامل مع التنوع والاختلاف بين البشر، في ألوانهم وأعراقهم وأجناسهم وأوطانهم ومعتقداتهم، فهي موجهة إليهم جميعًا، وتنظر إليهم بعدالة، محتضنة لكل ذلك الطيف الواسع من التباين بينهم. وهي قادرة على تنشئتهم وتهيئتهم من أجل الوصول بهم إلى الهدف الأسمى الذي خلقوا من أجله، وهو تحقيق عبودية الله عز وجل، وسعادة الدارين.

ويتضح كذلك عند المقارنة بين الغرب والإسلام، أن واقع التعددية الثقافية في الغرب أثبتت فشلها على المستويين النظري والعملي، في حين أن التربية الإسلامية أثبتت التعددية الثقافية ومارستها عمليًا –ونظريًا قبل ذلك- في مختلف عصور الازدهار الإسلامي بدءًا من العهد المدني وحتى اتساع الرقعة الإسلامية في العصر العباسي، وحتى بعد ذلك.

الأمر الذي يعني أن أساليب تفعيل التعددية الثقافية ينبغي أن تقوم على النموذج الإسلامي وليس الغربي، ويحاول الفصل التالي عرض هذه الأساليب في المؤسسات التعليمية، باعتبارها مؤسسات تربوية نظامية أنشأها المجتمع بقصد تحقيق أهدافه وتفعيل مبادئه.

ص. 119