وإذا كان هذا هو حال التعددية في الغرب، فإن الأمر مختلف في المجتمع المسلم، لأن فلسفة التربية الإسلامية تسعى إلى إقرار الحقوق التربوية، وهي تتضام في خمس مجموعات رئيسة، أصبحت تعرف بالمبادئ التربوية الخمسة في العصر الحديث، وهي مبدأ التعليم للجميع، ومبدأ استمرارية التعلم، ومبدأ إلزامية التعليم، ومبدأ تكافؤ الفرص، ومبدأ مجانية التعليم (الأسمر، 1997، ص‌ص487-491).

وقد كان لخصائص التربية الإسلامية وسماتها دور بارز في صياغة طرقها وأساليبها ووسائلها، وهذه الخصائص والسمات لا تنفك عن التربية الإسلامية بأي حال من الأحوال، سواء كانت التربية مقصودة أو غير مقصودة، إلا أن ظهورها ووضوحها في التربية المقصودة أجلى وأبين.

وترتكز الرؤية التربوية المقترحة لتفعيل التعددية الثقافية على جملة من المنطلقات الأساسية التي تتعلق بالإطار العام الشامل للثقافة الإسلامية. ويمكن تحديد بعض تلك المنطلقات فيما يلي:

1- اعتماد المرجعية الدينية الإسلامية لكل طوائف المجتمع:

يزعم البعض أن اختلاف الأديان يقف وراء المشكلات الطائفية في العديد من الدول، وأن الحل لمثل هذه المشكلات هو استبعاد المرجعية الدينية، والاستفادة في ذلك من النموذج الحديث والمعاصر للمجتمعات الغربية، ويمكن اعتبار هذا الاتجاه هروبًا من المشكلة وليس حلًا لها، فهذا الاتجاه يزيد المشكلة تعقيدًا، لأن استبعاد الدين من حياة الإنسان يتنافى مع متطلبات طبيعته البشرية، فتاريخ البشرية يشهد بأن الحاجة إلى الدين هي أولى الحاجات النفسية والعقلية للإنسان، ولم يحدث أن عاش الإنسان عيشة مرضية على الأقل بدون اتباع دين معين، والأخذ بتعاليمه وقيمه، لذا فتنحية الدين عن حياة الإنسان يوقعه في مشكلات نفسية وعقلية، لا خلاص منها إلا بالرجوع إلى الدين.

ص. 125

بل ويرى إيجلتون (2000) أن ثقافة بلا دين بمفهومها الاجتماعي تجعل المجتمع أقل وحدة وانسجامًا (ص92)، لذلك فالثقافة عنده تضعف على نحو قاتل إذا ما انفصلت عن جذورها الممتدة في الدين (ص143).

2- تأكيد الوحدة الوطنية لكل فئات وعناصر المجتمع تحت مظلة وحدة الهوية الثقافية الإسلامية بثوابتها ومكوناتها وأبعادها المختلفة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

- تحقيق وحدة الشعور والوجدان، ووحدة المواقف والهدف، والتوعية بخطورة الأطروحات الفكرية والثقافية التي تروج لتفكيك وحدة المجتمع. فهناك مثلًا مفاهيم تحمل في طياتها معاني متباينة كمفهوم التعددية؛ فهو يحمل معنى إيجابيًا على اعتبار أنه توصيف لمفهوم الاختلاف بين البشر، والذي يُعد سنة من سنن الله الكونية، مما يستلزم احترام خصوصية الآخر، داخل الإطار العام للثقافة الأم، بما يحفظ للمجتمع هويته. وربما تستخدم بعض القوى العالمية شعار التعددية لإحياء النزعات العرقية والدينية والتاريخية لدى بعض طوائف المجتمع، وبخاصة في الدول الإسلامية، وتدويل تلك المشكلات، واتخاذها ذريعة للتدخل في الشئون الداخلية لهذه الدول، ومن ثم يجب على التربية تنمية وعى الإنسان بهذه الأطروحات وتحصينه ضد محاولات الهيمنة والاستلاب.

- تأكيد التربية على أسس تعزيز التفاعل الإيجابي مع معطيات الثقافات الأخرى، والحرص على الاستفادة من عناصر التميز في ثقافة الآخر من خلال التلاقح الفكري دون انبهار أو ذوبان (سلطان، 2007، ص ص59-62).

3- اعتماد فلسفة تربوية تقوم على تعميق الصلة بين الواقع المعاصر وتراث الأمة الحضاري، وذلك من خلال تحقيق ما يلي (مدكور، 1998، ص‌ص 31-41):

ص. 126

- الإيمان برسالات الأديان السماوية، التي اختتمت برسالة الإسلام: الدين والحضارة، واعتبار القيم الدينية والخلقية هي الدافع إلى السلوك، والمعيار الذي تُقوم في ضوئه أفعال الفرد والجماعة.

- التأكيد على احترام إنسانية الفرد وكرامته، والإقرار بمركزيته في العملية التربوية، دون أن يعني هذا انخفاض الاهتمام بالجماعة أو غياب السلوك التعاوني.

- تنمية إدراك أبناء الأمة للمسئولية الاجتماعية والمشاركة السياسية.

- إدراك دور العقل في تسيير الحياة، وعدم تعارضه مع الانصياع للوحى الإلهي في الأوامر والنواهي.

- الاهتمام باللغة العربية وإتقان مهاراتها وفنونها، وإعطائها الأولوية في التعليم قبل أية لغة أخرى، حتى يتم إدراك العلاقة بينها وبين الثقافة الإسلامية.

- مساعدة أبناء الأمة على تحقيق ذاتهم مما يقتضي الإعداد الجيد في كافة مؤسسات التربية.

- تأكيد الشعور بأن الحرية فطرة إنسانية، الأمر الذي يقتضي صياغة وعى الفرد بماضيه وحاضره ومستقبله، وتدريبه على أن يؤمن بقدرته على أن يكون فاعلًا ومتفاعلًا مع عالم وبيئة متسارعين في تغيرهما، وذلك من خلال تنمية مهارات التفكير العلمي والنقدي والابتكاري لتمحيص النتائج الوافدة من الثقافات الأخرى.

- تنمية الوعي بالثقافات الأخرى من خلال التعرف على أساليب الحياة والنظم والقيم والعادات والتقاليد في مختلف الشعوب الأخرى.

- تكوين اتجاهات نفسية مشتركة بين أفراد المجتمع، مما يساعد على تحقيق انتماء وولاء الفرد للمجتمع الذي يعيش فيه، إلا أن ذلك لا يتحقق إلا إذا كانت الثقافة التي ينتمي إليها الفرد تحقق له حاجاته، وأن يكون لدى الفرد استعداد للقيام بدوره كعضو في الجماعة، وأن يثق الفرد أن فهمه للمعايير الاجتماعية يشترك فيه مع الآخرين.

ص. 127

- التجانس والتنسيق بين الأدوات التربوية وبينها وبين المجتمع، لما لذلك من أثر مباشر في تثبيت الاتجاهات لدى الأفراد.

- التأكيد على التسامح وقبول الآخر كقيمة خُلقية تتضمن: قبول واحترام تنوع واختلاف ثقافات العالم، الاعتراف بالحقوق والحريات الأساسية للإنسان الآخر، الاعتراف بحق كل فرد في حرية اختيار معتقداته، والقبول بأن يتمتع الآخر بالحق نفسه، وألا يفرض أحد آراءه على الآخرين.

ولتفعيل التعددية الثقافية في المؤسسات التربوية، يتطلب أولًا تعهد كافة الدول والثقافات باتخاذ التدابير المناسبة للتطبيق الفعلي لمبادئها وقيمها، وذلك عن طريق تضافر جهود كافة المؤسسات المجتمعية لتحقيق التالي (اليونسكو، 2001):

- تعميق النقاش الدولي بشأن علاقة التعدد الثقافي بالتنمية، وتأثيره على رسم السياسات على الصعيدين الوطني والدولي على حد سواء.

- تحديد وسائل التوعية وأشكال التعاون الأكثر ملائمة لصون التنوع الثقافي وتعزيزه.

- تعزيز تبادل المعارف وأفضل الممارسات في مجال التعدد الثقافي من أجل العمل على تيسير إدماج الأفراد والجماعات المنتمية إلى آفاق ثقافية متنوعة.

- التعمق في فهم وإيضاح مضمون الحقوق الثقافية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان.

- تعزيز التعدد اللغوي في المجال الرقمي وتشجيع انتفاع الجميع، من خلال الشبكات العالمية، بكافة المعلومات.

- تسهيل التداول الرقمي للمنتجات الثقافية المحلية، وتيسير انتفاع البلدان النامية بتكنولوجيا المعلومات الجديدة المتاحة على الصعيد العالمي في مجالات التربية والثقافة والعلوم.

ص. 128

- إشراك مختلف قطاعات المجتمع المدني، والقطاع الخاص في رسم سياسات واستراتيجيات حماية وتعزيز التعدد الثقافي، وتشجيع هذا الدور لتهيئة مجالات للحوار بين مختلف قطاعات المجتمع.

وبالإضافة إلى تلك الجهود على المستوى العالمي، فإن هناك جهودًا أخرى يجب أن تراعيها كافة المؤسسات المجتمعية على المستوى العربي، منها (العسكري، 1997، ص ص671–672):

- إغناء شخصية المواطن العربي لتأكيد وعيه بعقيدته وبذاته وحريته، وقدرته على مواكبة التطور الإنساني المعاصر، والمشاركة الفعالة فيه.

- تطوير البنى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في الوطن العربي بوصفها ركن البناء الحضاري.

- إبراز الهوية الحضارية العربية الإسلامية وتنميتها، بوصف الثقافة مستودع الأصالة، والسند المرجعي في رابطة التآخي بين العرب.

- تنمية العطاء الحضاري قوميًا وإنسانيًا، بوصف الثقافة مصدر إبداع وعطاء وسبيل تعاون مع مختلف الثقافات العالمية.

فضلًا عن ذلك، يتأكد على الثقافة العربية الإسلامية -للخروج من الحالة الماضوية الغالبة عليها– الأخذ بالجوانب التالية لتمكين مختلف التعدديات في إطار هويتها من الانطلاق إلى مسارات النمو والتنمية (تركماني، 2005):

- ثقافة الدور أو الواجب الحضاري، أي إحياء فكرة الإعمار بما أنها واجب الإنسان في الكون.

- ثقافة الامتياز والإنجاز، إذ أنّ الفائزين في المنافسة الحضارية هم من يسعون لتحقيق أعلي معدلات وأرقي مستويات الأداء في مجالات الحضارة المختلفة.

- الانفتاح والمبادرة الإيجابية، حيث أنّ الانكماش أو اتخاذ موقف الدفاع لم يعد قادرًا على الحفاظ على الهوية الثقافية، بل لا بد من تعلم واستيعاب وإتقان ما لدي الآخرين من رصيد المعارف والفنون والخدمات.

ص. 129

- الاستيعاب النقدي لفكر الآخر، بمعني المتابعة الدقيقة للحوار الفكري العميق الذي يدور في مراكز التفكير العالمية، وفي العواصم الثقافية الكبرى.

- النقد الذاتي للأنا، بما يعنيه ذلك من ضرورة ممارسة النقد الذاتي والتصحيح المستمر للممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإذا كانت التربية هي المسئولة عن تحقيق أصالة ومعاصرة هوية مجتمعها الثقافية، فإنه يتأكد على المربي أن يتعرف على واقع هوية المجتمع وتراثه الفكري والحضاري، كما ينبغي على التربية أن تتكيف بهوية المجتمع، وتوطد أركانها في حياة المواطنين، فتبحث في الطرق والوسائل العملية التي يمكن عن طريقها تعرف الناشئ على هوية مجتمعه وما يقتضيه هذا من تعددية ثقافية (الشبينى،2000، ص33).

ص. 130