1- مفهوم الــتــعـــــدديــــــــــــــة

التعددية هي نقيض الواحدية، وأصل العد وجود الشيء القابل للإحصاء زيادة أو نقصانًا، وهي الأصل في كل شيء، قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات:49). قال ابن كثير (2000) "أي: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات" (ج13، ص221)

فالأصل في كل شيء هو التنوع والاختلاف، والتعدد هو الأصل في البشرية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود:118) "أي: ولا يزال الخُلْفُ بين الناس في أديانهم، واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم." (ابن كثير، 2000، ج7، ص488)، فالتعددية توجد حيثما يوجد تنوع، سواء عرقي أو ديني أو عقائدي أو فلسفي أو طبقي، وهذا أمر واضح وجلي.

وتُستخدم التعددية كمفهوم عام يصف ظاهرة طبيعية قائمة وواقعة في كل المجتمعات، لكن التعددية تملك وجهًا آخر من حيث كونها مصطلحًا، فهي تَصوُّر لحقيقة وجود التباين والتنوع والاختلاف، وضوابط الافتراق والاتفاق، والتعامل مع هذا التباين، وكيفية تنظيم المجتمع على أساس ذلك، والتعايش السلمي في ضوء حتمية وجود هذا التنوع والتباين.

والتعددية كمفهوم هي فوق مستوى النقد أو الرد أو الطعن فيها، كونها حقيقة كونية ثابتة، بخلافها كمصطلح، فهي تتأرجح بين القبول والرد والطعن والتشكيك في منطلقاتها وأهدافها.

ص. 19

والتعددية لغة: مصدر صناعي مأخوذ عن المصدر الأصلي تعدُّد وفعله تعدَّد، ويقال تعدَّد يتعدَّدُ تعدُّدًا، و "تعدد: صار ذا عدد. وهم يتعددون على ألف: يزيدون" (المعجم الوسيط، 2004، ص617).

والتعدد: "حالة الكثرة وزيادة العدد" (بدوي، 1986، ص317).

و "تعددت العناصر: صارت ذات عدد (بعد أن كانت واحدا)" (عمر، 2008، ج2، ص1464).

قال الفيومي (دت): "والعدد هو الكمية المتألفة من الوحدات فيختص بالمتعدد في ذاته وعلى هذا فالواحد ليس بعدد لأنه غير متعدد إذ التعدد الكثرة" (ص395).

واصطلاحًا: في العلوم الاجتماعية، التعددية هي: "تعدد أشكال الروح الاجتماعية في نطاق كل جماعة، وتعدد الجماعات داخل المجتمع، وتعدد الجماعات نفسها" (بدوي، 1986، ص317).

وفي قاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التعددية هي: "تنظيم حياة المجتمع وفق قواعد عامة مشتركة تحترم وجود التنوع والاختلاف في اتجاهات السكان في المجتمعات ذات الأطر الواسعة، وخاصة المجتمعات الحديثة حيث تختلط الاتجاهات الأيديولوجية والفلسفية والدينية" (ذبيان، 1990، ص‌ص 138-139).

وتشير التعاريف السابقة إلى أن التعدد هو الأصل في تكوّن الجماعات وتركيبها، كما تشير إلى أن التعدد لا يأخذ صورة أو نمطًا واحدًا، بل تتمايز المجتمعات بما تحتويه من تعدديات وتوجهات مختلفة، وهذا يعني أن التعدد لا يكون على مستوى المجتمعات فقط، بل يتجاوزها إلى داخل المجتمع الواحد، وذلك بتعدد الجماعات فيه.

2- الــثـــــــقـــافــة

ص. 20

الثقافة واحدة من المصطلحات التي دار حولها كثير من الجدل والنقاش. ولم يتم التوصل إلى تعريف جامع مانع لها، وإنما تأثرت دائمًا بالمجتمع والوسط التي تم تعريفها فيه، لذلك تتباين أحيانًا التعاريف وتتلاقى أحيانًا، متأثرة بالعمق التاريخي والأيديولوجي لكل مجتمع.

وقد وردت كلمة ثقافة بتصريفات مختلفة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنفال:57)، "أي: تغلبهم وتظفر بهم في حرب" (ابن كثير، 2000، ج7، ص107).

وقوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (الأحزاب:61)، "أي: وجدوا" (ابن كثير، 2000، ج11، ص244).

كذلك وردت في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة:2)، قال القرطبي (2003): "(إِنْ يَثْقَفُوكُمْ) يلقوكم ويصادفوكم، ومنه المثاقفة، أي طلب مصادفة الغِرّة في المسايفة وشبهها. وقيل: يثقفوكم يظفروا بكم ويتمكنوا منكم" (ج18، ص54).

والثقافة لغة: ثَقِفَ الشيء ثَقْفًا وثِقافًا وثُقُوفة حذقه. ورجل ثَقْفٌ، وثَقِفٌ وثَقُفٌ حاذِقٌ فَهِم، ويقال ثَقِفَ الشيء وهو سرعة التعلم، ثَقِفْتُ الشيء حذقته، وثَقِفْتُه إذا ظفرت به. (ابن منظور، 1414، ج9، ص19).

واصطلاحًا: عرفها مجمع اللغة العربية بأنها: العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب الحذق بها. (المعجم الوسيط، 2004، ص98).

وعرفها تركستاني (2004) بأنها: "مجموع العقائد والقيم والقواعد التي يقبلها ويمتثل لها أفراد المجتمع".

ونقل بن نبي (2000) عن ماوتسي تونج التعريف التالي للثقافة: "إن كل ثقافة معينة هي انعكاس من حيث شكل مفهومها لمجتمع معين" (ص33).

ص. 21

وكما يظهر من التعاريف السابقة، فإن الثقافة تنبع من المجتمع وتعود إليه، فهي ليست فطرية، وإنما يكتسبها الفرد باعتباره عضوًا في مجتمع، وهنا يظهر اختلاف الثقافة بمفهومها العام عن الثقافة إذا قُيدت بشيء آخر، ومن ثَم تتميز الثقافة الإسلامية عن غيرها من الثقافات الأخرى، حيث تمتد جذورها وتستمد مكوناتها من وحي السماء، ومرتبطة بالإنسان نفسه منذ خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام وعبر مسيرة التاريخ، قائمة على الإيمان بالله وحده، ومتوحدة في تعاليم خاتم الأنبياء والمرسلين.

كذلك يتضح من خلال التعريفات السابقة أن للثقافة مظهرين:

1- مظاهر مادية: تتجلى في نتاج العمل الإنساني، كطريقة البناء والملابس والأدوات والحرف والمهن الرائجة.

2- مظاهر لامادية: وتتكون من الأفكار والأعراف والقوانين والعادات واللغة والاتجاهات والقيم والأهداف والمسلمات والأنماط السلوكية.

وتأسيسًا على هذا، فإن ثمة فارقًا في الاستخدام بين كل من الثقافة والحضارة والمَدنية:

- عرّف ابن خلدون (2005) الحضارة بأنها: "تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله" (ج1، ص290)، كما عرّفها بن نبي (2002) بأنها: "جملة العوامل المعنويّة والماديَّة التي تتيح لمجتمع ما أن يوفِّر لكلِّ عضوٍ فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوُّره. فالفرد يحقق ذاته بفضل إرادةٍ وقدرةٍ ليستا نابعتين منه، بل ولا تستطيعان ذلك، وإنما تنبعان من المجتمع الذي هو جزء منه" (ص42).

ص. 22

والحضارة ضاربة في الجذور، معنية بالماضي وممتدة منه، متأثرة بالأحداث التاريخية، وتكتسي صبغة خاصة بمجتمع ما، تتميز وتُعرف به، وفي هذا السياق يقول القصص (1995): "يجب أن يُلحظ حين استخدام ذلك الاصطلاح وتعريف مدلوله ألا يدخل ضمنه إلا ما هو من مقومات شخصية المجتمع التي تجعل منه مجتمعًا معينًا يختلف عن غيره من المجتمعات في طريقة عيشه، فلا تدخل الأشكال والوسائل المادية التي يستخدمها المجتمع في شؤون الحياة والتي لا يتميز بها عن غيره من المجتمعات." (ص54).

فالحضارة تختص بمجتمع معين، تحكي سيرته عبر التاريخ، وتميز ذلك المجتمع عن غيره بثقافته ونمط عيشه، يقول هنتنجتون (1999): "الحضارة هي الكيان الثقافي الأوسع. القرى والأقاليم والجماعات العرقية والقوميّات والجماعات الدينيّة ... كلها لديها ثقافات محددة وعلى مستويات مختلفة من التمايز الثقافي" إلى أن يقول "وهكذا فإنَّ الحضارة هي أعلى تجمُّع ثقافيّ من البشر وأعرض مستوى للهويّة الثقافيّة يمكن أن يميِّز الإنسان عن الأنواع الأخرى." (ص71).

يتضح مما سبق أن الحضارة أعم وأشمل من الثقافة، وهي نتيجة التفاعل بين الثقافة السائدة في مجتمع ما، وما يتطلع إليه ذلك المجتمع من التنمية والتوسع والنظر للمستقبل، وبين تلك الأدوات والوسائل المحايدة، يقول حسين (دت): "الحضارة بهذا المعنى أعم من الثقافة، التي تطلق على الجانب الروحي أو الفكري من الحضارة، بينما تشمل الحضارة الجانبين الروحي والمادي، أو الفكري والصناعي" (ص6).

- الحضارة الإسلامية هي مزيج من عديد الحضارات التي انضوت تحت مفهوم الإسلام ونظرته للإنسان والحياة والكون، فهي حضارة جامعة منقحة، أخذت من كل حضارة ما يتوائم ويتناسب مع المفهوم العام للإسلام، ولفظت ما يتعارض ويتصادم معها، يقول الشحود (دت): "والحضارة الإسلامية هي نتاج لتفاعل ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام، سواء إيمانًا وتصديقًا واعتقادًا، أو انتماءً وولاءً وانتسابًا، وهي خلاصة لتلاقح هذه الثقافات والحضارات التي كانت قائمة في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات الإسلامية، ولانصهارها في بوتقة المبادئ والقيم والمثل التي جاء بها الإسلام هداية للناس كافة ".

ص. 23

- الثقافة هي واقع لمجتمع ما، ويشمل الأفكار والعادات والتقاليد والنظم والعلاقات الاجتماعية، ولا تسعى الثقافة بالضرورة إلى تحقيق التقدم أو الازدهار، وهي ترتبط بالجانب الإنساني ارتباطًا وثيقًا، ولأن الثقافات تتباين لأسباب عدة؛ لذلك "لا تستطيع ثقافة ما تقديم نفسها كحالة معيارية، مهما امتلكت من أدوات المعرفة، أو امتلكت أمتها من الممكنات والمعينات الحضارية، لأن الثقافة حالة تشذيب وصقل مستمرة، والتثاقف عملية تفاعل دائم بين الثقافات المختلفة، التي تشكّل رافدًا مستمرًا، يدعمه الاختلاف بين مشارب هذه الثقافات ومنابعها ومساراتها الفكرية والعلمية، القائمة على التباين والتداخل في تشكّلها الأساس" (الشيدي، 2008).

أما المدنية فمعنية بالتقدم المادي والتقني المرتبط برفاهية الإنسان ورخائه وازدهاره من خلال تحسين سبل العيش والعمل والكسب، ولا يمكن اعتبار ما فيه دمار الإنسان أو مصادرة حريته أو تقييدها أو دفعه لمواجهة حياة تعيسة أو مصيرًا مجهولًا من المدنية في شيء.

والمدنية تستند على الثقافة وتحتاج إليها، بعكس الثقافة التي قد لا تساعد في بناء مجتمع مدني، ولا تسعى بالضرورة إلى تحقيقها.

- ثقافة كل مجتمع هي أساس حضارته وجوهرها، وهي وقودها، فمتى كانت تلك الثقافة دافعة لاستغلال الموارد والماديات والطبيعة في تسهيل سبل العيش ورفاهيته؛ كانت الحضارة راقية منتشية.

والمجتمع الذي يمتلك ثقافة منتجة قادرة على التكيف مع الواقع واستغلال الطبيعة حوله وتسخيرها له؛ قادر على تطوير سبل عيشه وازدهاره وإن افتقد للموارد والماديات، بينما تعتبر الثقافة المنضوية على ذاتها هي أساس مشكلة الأزمة الحضارية للمجتمع، وإن توفرت الموارد والماديات.

3- الـــتــــعـــــدديــة الــثـــقـــافـــيـــة

ص. 24

ارتبطت نشأة مفهوم التعددية الثقافية بالعديد من المصطلحات الأخرى، كحق تقرير المصير، وحقوق الأقليات، وحماية وتعزيز التنوع الثقافي، والاعتراف ومساندة السكان الأصليين وغيرها، تلك المصطلحات التي كانت نتاج تشكل الدول ببنائها الحديث خصوصًا في أوروبا وأمريكا، ذلك البناء الذي يضم داخله خليطًا متنوعًا ومتداخلًا من الأعراق والجماعات والثقافات؛ وأوجدت مشكلة في سبيل توحيد الدولة وتماسكها واستقرارها، حيث أظهرت بعض تلك الفئات تمنعًا ومقاومة لسياسة الانصهار والاندماج في الثقافة الواحدة أو الثقافة المسيطرة، التي تكتسب عادة اعترافًا بأنها ثقافة الدولة، بل ونزعت بعض تلك الفئات إلى انتزاع الاستقلالية التامة عن الدولة، وبناء كيان مستقل يتمحور حول خصائص تلك الفئة وثقافتها، وعلى أقل تقدير؛ فإن بعضها نزع إلى انتزاع الاعتراف بها، والمطالبة بتمثيلها بشكل عادل في الحياة السياسية والثقافية لتلك الدول.

ويستخدم كيمليكا (2011) مصطلح التعددية الثقافية "كمصطلح شامل يغطي مساحة واسعة من السياسات التي تستهدف توفير مستوى معين من الاعتراف العام ومساندة المجموعات العرقية الثقافية غير المسيطرة سواء كانت هذه الجماعات أقليات جديدة (كالمهاجرين واللاجئين) أو أقليات قديمة (كالأقليات المستقرة تاريخيًا والسكان الأصليين)" (ج1، ص32).

وبعد انتهاء سياسة الاستعمار العسكري الذي استبدل بصور أخرى من الولاء والتبعية تتمثل في الانضمام لمنظمات أو توقيع عقود ذات مصالح مشتركة طويلة الأجل؛ تجعل عددًا من الدول الصغيرة أو الحديثة تدور في فلك تلك الدول القوية، وقد تم تدويل مفهوم التعددية الثقافية من أجل الحفاظ على هوية تلك الدول وخصوصيتها (التعددية الثقافية، 1999، ص486).

وقد قامت عدد من المنظمات في أوروبا والعالم بصياغة معايير وضوابط لضمان واستمرار ذلك التنوع الموجود، لكنها كانت دائمًا تخضع للتعديلات وللتغييرات نتيجة تسلط بعض الدول المتنفذة، وبحسب ما يستجد في هذا العالم من أحداث ومواقف.

ص. 25

هذا التدويل نقل التعددية من نطاقها الضيق داخل الدول إلى أن تكون قضية ذات صبغة عالمية تهتم بالحفاظ على التنوع، وبحسب الموسوعة العربية العالمية (التعددية الثقافية، 1999، ص486): فإن التعددية الثقافية هي فلسفة سياسية أو اجتماعية تعمل على تطوير التنوع الثقافي، وتهدف إلى تطوير التفاهم بين المجموعات الثقافية، ويطلق عليها أحيانًا اسم: البينية الثقافية.

ص. 26