لقد نجم عن هذا التركيز والاهتمام العالمي بالتعليم –كأحد وسائل تفعيل التعددية الثقافية- بروز عدد من المفاهيم الحديثة المرتبطة بالتربية والتعليم، أهمها:
1- التربية الشمولية:
يشير قايماقجان (2009) إلى أن حركة التربية الشمولية هي نتاج الحركة الثقافية والفكرية التي كانت موجودة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي في الغرب لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ يُستخدم من قبل مجموعة من علماء النفس والتربويين في المؤتمر المنعقد في كاليفورنيا في عام 1979، وقد قام رون ميلر أحد الأسماء البارزة في التربية الشمولية بتعريف التربية الشمولية بأنها فلسفة تربوية تزعم أن هوية كل إنسان وعالمه المعنوي وهدفه من الحياة يتكون من سلسلة العلاقات التي يقيمها بين المجتمع والكون والقيم المعنوية.
وتهدف التربية الشمولية إلى تلبية الحاجات التربوية الأساسية والملحة، والتي نتجت عن التسارع المعرفي وعجز الأسلوب التعليمي التقليدي عن المواكبة المطلوبة، فتنتقل التربية من وضعية التعليم التقليدي إلى التربية الشاملة، من خلال التركيز على إكساب الأفراد المهارات الحياتية الضرورية كمهارات التواصل والتعاون وحل المشكلات والتفكير النقدي، والوعي بالقضايا المحلية والعالمية، وكذلك الوعي بالحقوق والواجبات.
ص. 122وعليه فإنه يمكن تحديد مفهوم التربية الشمولية بأنها: "تربية شاملة متوازنة متكاملة لشخصية المتعلم باعتباره وحدة متكاملة، يتفاعل مع المعلم والموقف والبيئة الاجتماعية والمهارات المطلوبة، بحيث يحقق النمو الاجتماعي، ويكتسب المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم المناسبة، وهي تربية مجتمعية، الهدف الأساسي منها أن يدرك المتعلم أن أية قضية أو ظاهرة هي نتيجة تقاطع أو تفاعل قضايا ومظاهر وعناصر عديدة، وأنه هو نفسه جزء من عالم تتشابك فيه القضايا المختلفة في كل أبعادها" (تيشوري، 2005).
2- التربية متعددة الثقافات:
التربية متعددة الثقافات أو التعليم متعدد الثقافات ترجمة للمصطلح Multicultural Education، وهي رؤية تربوية حديثة تهدف إلى تمثيل الأقليات والفئات والثقافات المختلفة داخل النظام التربوي في الدول التي تشهد تنوعًا واختلافًا بينًا، ويسعى مفهوم التربية متعددة الثقافات – الذي ظهر كرد فعل لكثير من التوترات الناجمة عن التعددية الثقافية والتي أثرت سلبًا على انتماء الطلاب لمجتمعهم المدرسي – لتقدير التنوع الذي يسمح للطلاب بفهم ثقافات بعضهم البعض، ومن ثم دعم القيم الديمقراطية التي تمثل أهم دعائم وأهداف التربية (McCray, & Beachum, 2010, p.4).
ولا يعني هذا المفهوم أن التربية متعددة الثقافات تسعى لدمج الثقافات أو محو الاختلافات الثقافية أو تشرب الجماعات المختلفة لثقافة المجتمع السائدة أو المحافظة على خصوصيات ثقافة ما، ولكنها تعني التضامن والتفاعل والتعددية في الممارسات التربوية من أجل التكامل في العلاقات الاجتماعية (Angelides, Stylianou, & Leigh 2004, p.80).
ويرى Banks (n.d) بأنه التربية متعددة الثقافات هي فكرة حركة الإصلاح التربوي، ويٌعرفها بأنها: "عملية تسعى إلى إتاحة فرص تعليمية متساوية لجميع الطلاب، بما في ذلك مختلف الجماعات العرقية والطبقية، وذلك من خلال تغيير البيئة المدرسية بحيث تعكس مختلف الثقافات والجماعات داخل المجتمع في الفصول الدراسية".
ص. 123كما عُرفت التربية متعددة الثقافات بأنها: تلك التربية المصممة لاحتواء ثقافات مختلف الأجناس في النظام التعليمي، مستندة على نهج توافقي مبني على الاحترام وتعزيز التعددية الثقافية داخل المجتمعات العرقية (Wilson, n.d).
وتسعى التربية متعددة الثقافات إلى إيجاد حالة توافق بين مختلف الثقافات، وتقليل التخوف من التغيير الديمغرافي الذي يطرأ على المجتمع بمرور الوقت، واحترام كل الثقافات المـُشكّلة للمجتمع، والتغلب على النمطية والتحامل والعنصرية، وتعزيز التعددية، ويتم كل ذلك من خلال مناهج تعليمية متكاملة وأنشطة اجتماعية ودعم إداري، وكذلك من خلال تدريب الموظفين والمعلمين، وتكثيف الدراسات حول هذا الأمر.
وتواجه هذه التربية مزيدًا من الاستياء من قبل الطلاب الذين يشعرون أن التغييرات في التقاليد المدرسية والمناهج الدراسية والمعايير الأكاديمية، ليست ضرورية لتحقيق تقدير واحترام الطلاب من الأقليات العرقية، كما أن العديد من المؤسسات تقاوم التغيير، وهي مقاومة سلبية من جانب إدارات تلك المؤسسات (Wilson, n.d).
ص. 124