يتلاقى مفهوم التعددية الثقافية مع عدد من المفاهيم الأخرى، ويتعارض مع بعضها الآخر، ومن تلك المفاهيم: التنوع الثقافي، والتفاعل الثقافي، والاندماج الثقافي، والتكامل الثقافي، والتباين الثقافي، والتعددية الدينية. وفيما يلي توضيح لهذه المفاهيم:
1- التــنــوع الــثـــــقـــــــــافـــي:
التنوع والاختلاف هو الأصل في الهويات المميزة لكل مجتمع، وتعدد المجتمعات تعني حتمية تعدد وتنوع الثقافات في جوانبها المادية وغير المادية.
وهذا التمايز يجعل المجتمعات تحرص على الحفاظ على خصوصيتها وهويتها واستقلالها عن باقي الثقافات الأخرى، وقد يؤدي ذلك إلى انغلاق تلك المجتمعات على نفسها، الابتعاد عن التماهي في جسد الثقافات الأقوى، التي تحاول فرض ثقافتها وترويجها في قوالب كالعولمة والأمركة مثلًا.
ولحماية تلك المجتمعات وثقافاتها فقد أصدرت اليونسكو في عام 2001 وثيقة تتضمن إعلانًا بشأن التنوع الثقافي، حيث ترى أن التنوع الثقافي هو الأصل المشترك للإنسانية، وينبغي الاعتراف به والتأكيد عليه لصالح أجيال الحاضر والمستقبل، كما أكدت فيه على أن التعددية الثقافية هو الرد السياسي على واقع التنوع الثقافي، كما نص الإعلان على "ضرورة أن يعترف كل فرد لا بالغيرية بمختلف أشكالها فحسب، بل وأيضا بتعدد ذاتيات الغير في كنف مجتمعات تتسم ذاتها بالتعددية. فبهذا الاعتراف فقط يمكن صون التنوع الثقافي بوصفه عملية تطورية ومنهلًا للقدرة على التعبير والإبداع والتجديد" (اليونسكو، 2001).
إن الاعتراف بهذا التنوع يفتح بابًا واسعًا للمعرفة والاطلاع والاحترام المتبادل بين الثقافات، كما يعزز من قيم الحرية واحترام حقوق الفرد والجماعات.
ص. 27كما أنه في المقابل فإن الحرية المطلقة لهذا التنوع يؤدي إلى عدم استقرار اجتماعي وإلى صدام وصراع بين تلك الثقافات، وهنا يظهر دور التعامل مع هذا التنوع، حيث تقدم التعددية غطاء شاملًا للتفاهم والتلاقي بين كل تلك التنوعات والاختلافات، وتقدم حلولًا للتعايش السلمي بينها.
فالتنوع الثقافي هو حقيقة ما يحصل في الواقع من تمايز واختلاف على كافة المستويات، بينما التعددية الثقافية هي طريقة وآلية التعامل مع تلك الاختلافات والتنوعات.
2- الـتــفـــــاعل الــثـــــقـــــــــافـــي:
التفاعل الثقافي أو التبادل الثقافي أو المثاقفة والتثاقف؛ هي نتاج طبيعي لاحتكاك الثقافات ببعضها وتعايشها، وهي تُعبر عن الأخذ والعطاء وتبادل أنماط وسلوكيات وخصوصيات ثقافية بين عدد من الثقافات المتواجدة في نطاق معين، أو قد تكون على مستوى عالمي أيضًا.
وفي معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية فإن التبادل الثقافي هو: "العملية التي تنتقل بها الثقافة خلال اتصالات مستمرة مباشرة بين جماعات ذات ثقافات مختلفة" (بدوي، 1986، ص6).
ويشير المالكي (دت) إلى أن المثاقفة هي: "اتجاه يسعى أن يكون وسطًا بين الانفتاح المطلق الذي يؤول إلى الانصهار في ثقافة الآخر وبين الانغلاق المطلق الذي يؤول إلى الانعزال تمامًا عن الآخر والعالم بأسره، وبهذا المعنى تعد المثاقفة رافدًا مهما تسعى كل أمةٍ من خلاله إلى معرفة الآخر واستثمار ما لديه من قيم ومعطيات إنسانية وحضارية".
ص. 28وتساعد المثاقفة أو التفاعل الثقافي على التعرف على الآخر، والاستفادة من أنماطه وأساليب عيشه، وتتجاوز الجانب الثقافي إلى الجانب الاجتماعي والسلوكي أيضًا، ففي معجم اللغة العربية المعاصرة أن المثاقفة هي: "اقتباس جماعة من ثقافة واحدة أو فرد ثقافة جماعة أخرى أو فرد آخر، أو قيام فرد أو جماعة بمواءمة نفسه أو نفسها مع الأنماط الاجتماعية أو السلوكية والقيم والتقاليد السائدة في مجتمع آخر" (عمر، 2008، ج1، ص319).
وهناك من يذهب إلى أبعد من مجرد التعرف أو التبادل والتفاعل، إلى إنتاج وظهور أنماط وظواهر ثقافية أولية جديدة، إذ تُعرف المثاقفة على أنها: "مجموع الظواهر الناتجة عن احتكاك مستمر ومباشر بين مجموعات أفراد تنتمي إلى ثقافات مختلفة تؤدي إلى تغييرات في الأنماط الثقافية الأولية للجماعة أو الجماعات" (كوش، 2002، ص65).
وينقل المقداد (2011) عن روجيه باستيد أن المثاقفة لها ثلاث حالات:
- حالة مثاقفة عفوية أو تلقائية، وهذه المثاقفة لا تكون موجهة ولا مضبوطة، ويعود سبب التغير في هذه الحالة إلى مجرد الاحتكاك.
- حالة مثاقفة منظمة، لكنها قسرية وتتم لمصلحة جماعة واحدة كما في العبودية والاستعمار.
- حالة ثقافة مخططة ومضبوطة، ترمي إلى أن تكون منتظمة تنظر إلى المدى البعيد، ويتم التخطيط انطلاقًا من معرفة مفترضة بالحتميات الاجتماعية والثقافية.
وتعد أعمال الترجمة لنتاجات الشعوب وحملات الابتعاث التعليمية ووسائل الإعلام والأعمال الفنية من أشهر قنوات تحقيق هذا التفاعل.
وفي ضوء ما سبق، فإن كلًا من التعددية والتفاعل الثقافي مفهومان يشير كلاهما إلى مشاركة الآخر (الجماعات الثقافية المختلفة لونًا أو عرقًا أو دينًا أو غير ذلك) بما تتضمنه تلك المشاركة من احترام وتقدير وتسامح ومساواة تحقق المواطنة الصالحة في المجتمع الواحد أو بين المجتمعات المختلفة، هذا إن كان بين هذه الثقافات قدر مشترك من المعارف والقيم والغايات الإنسانية.
ص. 29ومن ثم، فإن مفهوم التفاعل والتبادل الثقافي يأتي في طور أرقى من مفهوم التعددية الثقافية، إذ أنه لا يكتفي بمجرد الاعتراف بوجود الاختلاف والتعامل معه، بل يتضمن صور تطوير العلاقات بينها أيضًا
3- الانـدمــــاج الــثـــــقـــــــــافـــي:
يشير مفهوم الاندماج الثقافي عمومًا إلى ضم وربط عدد من البشر ذوي توجهات ثقافية وأيديولوجية مختلفة، سواء كان ذلك على مستوى الدمج الاجتماعي أو الشعوري أو الوجداني أو الانتمائي أو كل ذلك.
وورد في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية: الاندماج هو: "انضمام جماعات أو زمرة ذات أهداف متجانسة إلى حد ما إلى بعضها البعض" (بدوي، 1986، ص171)، والاندماج في الثقافة هي: "عملية توحيد ثقافتين أو أكثر في الثقافة الواحدة، ويتضمن ذلك الاحتفاظ ببعض السمات وتعديل البعض الآخر وطرح تلك التي سيحل غيرها محلها" (بدوي، 1986، ص171).
ويستعمل المصطلح تجاه الأقليات والمهاجرين خصوصًا، الذين يُتوقع منهم التمتع بقدر من التكيف مع البيئة الثقافية السائدة بغض النظر عن مقدار التقبل والاحترام الذي يتلقوه، وعدم قدرة المهاجرين خصوصًا أو تلك الأقليات الثقافية على التكيف؛ يؤدي إلى نشوء الصراع والتصادم أو الشعور بالعزلة والتهميش والإقصاء.
وتتعارض فكرة الاندماج الثقافي مع التعددية الثقافية من حيث المبدأ، فحيث أن تبني التعددية يفترض القبول بتلك الثقافات الوافدة أو الأقل قوة، والاعتراف بها، فإن الاندماج الثقافي يحمل الأفراد والجماعات على التخلي عن بعض الأنماط والموروثات الثقافية، والانصهار في الثقافة الواحدة، والتي ربما تكون هي ثقافة الجماعة المسيطرة.
ص. 30ويشير الأنصاري (2011) إلى بعض إشكاليات الاندماج الثقافي تتمثل في حالة الشعور بالصراع الدائم مع الثقافة الأخرى، نتيجة التباين بين الثقافة الأساسية والثقافة المنشودة، كما تظهر بعض الإشكاليات للأجيال التالية من حيث عقد مقارنة بين الثقافتين مع الاقتراب أكثر للثقافة الجديدة، أو حتى التمرد على الثقافة الأصل في الجيل الثالث الذين ولدوا في خضم عملية الاندماج.
4- التـكـــامــــل الــثـــــقـــــــــافـــي:
التكامل الثقافي هو صورة من صور الاندماج الثقافي الإيجابي، لكنه يتطلب تفاعلًا من كل الثقافات بما فيها تلك الثقافة المسيطرة القادرة على تبني أنماط أو قيم ثقافية من ثقافات الأقلية، وقد تبدو هذه الصورة صعبة لكنها محققة بدرجة معينة في بعض الدول والمجتمعات، نتيجة وجود قدر معين من الانسجام الداخلي والتقارب بين المكونات الثقافية المختلفة داخلها.
ويشير معجم اللغة العربية المعاصرة إلى أن التكامل الثقافي هو: "توافق متبادل بين سمات ثقافية متعارضة يكوّن نسقًا ثقافيًا منسجمًا." (عمر، 2008، ج3، ص1959)، وهذا التعريف يشير ضمنًا إلى أن كل الثقافات الكبرى اليوم هي في حقيقتها تكامل بين ثقافات أصغر منها، لكن هذا المعنى يظهر صريحًا في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية: "تتكون كل ثقافة من مجموعة أنماط اجتماعية يعيش وفقها الأفراد ويفكرون، وهذه الأنماط متصلة بعضها ببعض تمام الاتصال بحيث يتكون من مجموعها كلٌ ثقافي مترابط" (بدوي، 1986، ص93).
ويتضح من المسمى أن التكامل هو بناءُ كيان واحد، والسعي إلى إكماله ليشمل كل الأفراد في نطاق معين كدولة أو مدينة أو منظومة دول، بعكس التعددية الثقافية التي تفترض القبول بوجود كيانات متعددة، قادرة على التأقلم والتفاعل الإيجابي بينها.
ص. 315- التــبـــــايـــــن الــثـــــقـــــــــافـــي:
التباين الثقافي هو الصورة الواقعية للتنوع الثقافي، لكنه يتخذ معنى التباعد في عمليات الاندماج الثقافي السلبي.
"وتباين الثقافات بين البيئات المتعددة أشبه ما يكون بقوانين ثابتة تتحكم في سيرورة حياتنا، وتكمن ماهية الاختلاف في إيديولوجيات التفكير المختلفة والتي تنمو وفقًا لعوامل معينة، وقيم سائدة" (الحربي، 2010).
فالتباين هو الاختلاف الواضح بين الثقافات في أنماطها وظواهرها وصورها، وتزداد تباينًا إذا افتقد الانسجام والتقارب بين تلك النقاط المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى التباعد والتنافر بين الثقافات.
ويؤدي هذا التباعد وعدم الانسجام وغياب مفهوم للتعامل مع مثل هذا التباين كالتعددية مثلًا؛ إلى حدوث الصراعات بين الثقافات، وإلى نشوء مشاعر الكراهية بين أفراد الثقافات المختلفة، كما أنه سبب في نشوء الكيانات والأقليات وانعزالها.
ويتسبب هذا التباعد والتنافر الثقافي أحيانًا في اندثار وزوال ثقافات أو ضعفها، نتيجة انعزالها أو نتيجة اقصائها وتسلط ثقافات أقوى عليها، وهنا تبرز أهمية التعددية الثقافية في التركيز على القيم والمظاهر والقواسم المشتركة بين الثقافات، بما يسهم في تخفيف حدة التباين والتباعد بينها.
6- التعددية الدينية:
يُعرف المودودي (1971) الدين بأنه: "نظام للحياة يذعن فيه المرء لسلطة عليا لكائن ما، ثم يقبل طاعته واتباعه ويتقيد في حياته بحدوده وقواعده وقوانينه، ويرجو في طاعته العزة والترقي في الدرجات وحسن الجزاء، ويخشى في عصيانه الذل والخزي وسوء العقاب" (ص126).
ص. 32ويُعرَّف الدين أيضًا على أنه: "ممارسة شعائر وطقوس مقدسة، والاعتقاد في قوة روحية عليا، وقد تكون هذه القوة متكثرة أو أحادية." (بدوي، 1986، ص353).
ورجّح الخلف (1997) التعريف التالي للدين: "اعتقاد قداسة ذات، ومجموعة السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلًا وحبًا، رغبة ورهبة" (ص10).
ولقد كان للتحولات الكبرى وللعلاقة بين العلم والدين في أوروبا خلال القرنين الماضيين التاسع عشر والعشرين؛ أثر بالغ في رسم ملامح الحضارة والواقع الذي نعيشه اليوم، ولم تكن تلك التحولات مادية بحتة، بل كانت أيضًا على مستوى الفكر والعقل.
وواحدة من تلك التحولات الفكرية الكبيرة التي شهدتها أوروبا تلك الفترة؛ هي الصراع الدائر بين رجال الدين والعلم، وبغض النظر عن النتائج التي آل إليه ذلك الصراع؛ استمرت جدلية العلاقة بين الدين والعلم وكذلك العلاقة بين الدين والثقافة قائمة أمدًا طويلًا، مما أدى إلى ظهور عدة نظريات أو تصورات عن هذه العلاقة، وهذه النظريات قد تتباين تباينًا واضحًا أو تتلاقى في بعض الجوانب.
فيرى أليوت (2001) مثلًا خطأ جعل الدين والثقافة شيئين منفصلين بينهما علاقة، وخطأ المطابقة بين الدين والثقافة (ص40)، لكنه يقول: "لم تظهر ثقافة ولا نمت إلا بجانب دين. ومن هنا تبدو الثقافة نتيجة من نتائج الدين، أو الدين نتيجة من نتائج الثقافة، طبقًا لوجهة نظر الناظر" (ص21).
فهو يذهب مباشرة إلى حتمية جعلهما شيئًا واحدًا لكنهما غير متطابقين، ويصرح بأن الدين سابق للثقافة وصانع لها، إذ أن الثقافة عنده هي نتاج الدين.
وأليوت ذو الخلفية الدينية يرد بذلك على إحدى النظريات أو التصورات التي ظهرت قبله، حيث يذهب ماثيو آرنولد إلى أن الثقافة أشمل من الدين، والدين ليس إلا عنصرًا ضروريًا يعطي تكوينًا أخلاقيًا، وشيئًا من تلوين انفعالي للثقافة، وهي القيمة النهائية (أليوت، 2001، ص40).
ص. 33بينما يرى دوللو أن الثقافة والدين مكون واحد لا يمكن الفصل بينهما، فالدين يتجاوز الجانب الأخلاقي والقيمي من الثقافة إلى التغلغل إلى كل مكونات الثقافة، ويشير دوللو (1993) إلى أن العلاقة بين الثقافة والدين تعود إلى أصول الحضارة، فاليونان لم يفصلوا بين المفهومين، وكذلك الحال بالنسبة للرومان الذين سبق الدين عندهم الثقافة، وإلى يومنا الحاضر، ويضيف بأنه لا تزال هناك وزارات لشؤون الدين في كثير من بلدان العالم، وينتهي إلى أن هناك علاقة وثيقة بين الدين والثقافة؛ لأن من الصعب حسب رأيه أن تستغني الثقافة الحقة عن بعض الأخلاقية (صص80-82).
ويرى بيجوفيتش (1994) أن الثقافة هي وليدة الدين وهي صورة ونتاج تأثير الدين على الإنسان وعلى المجتمعات، ويؤكد على أن "الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان، أو تأثير الإنسان على نفسه." (ص94).
كما يرى إيجلتون (2000) أن ثقافة بلا دين بمفهومها الاجتماعي تجعل المجتمع أقل وحدة وانسجامًا (ص92)، لذلك فالثقافة عنده تضعف على نحو قاتل إذا ما انفصلت عن جذورها الممتدة في الدين (ص143).
وتتراوح الأفكار السابقة في تحديد علاقة الثقافة بالدين بين جعل الثقافة أشمل من الدين وبين عدم المطابقة وعدم الانفصال بينهما، ويميل بعضها إلى حاجة الثقافة الملحة إلى الدين.
لكن هذا ليس هو ما انتهى إليه الأمر اليوم في الغرب، إذ يبدو أن نزعة فصل الدين وتحييده قد غلب، فلا يعدو الدين اليوم أكثر من مكوّن من مكونات الثقافة في كثير من النظم الحديثة، وهذا الأمر وإن بدا واضحًا لكنه لا يخفي التأثير العميق للدين على كثير من المظاهر الثقافية عندهم، كما يتجلى بوضوح في مظاهر الحياة كالقَسم، والمناهج الدينية، وأعياد الميلاد، وجزء من قوانين العقوبات، ومراسم الزواج وغيرها.
ص. 34ولا غرابة في ذلك؛ فالثقافة الغربية تعددت مرجعياتها بتعدد المراحل التي مرت بها، بدءًا بالأصول الفلسفية ومرورًا بالدينية المسيحية وانتهاءً بالعلمانية التي برزت - بداية من القرن الخامس عشر الميلادي - لتحرير المجتمع من سيطرة الكنيسة، والحيلولة دون تحكم رجال الدين المسيحيين بالقرار السياسي، أو فرض الدولة لدين ما على مجتمع متعدد الأديان يسمح بتقويم الأفراد بناءً على إنجازاتهم الفردية وإسهاماتهم في تطوير المجتمع السياسي، بدلًا من التعويل على انتماءاتهم الدينية. وهذا المعنى هو الذي لا زال مستمرًا في معظم دول الغرب، بيد أن ثمة نزعة مرتبطة بالفكر والحياة الغربية ترى في الدين عائقًا يحول بين المجتمع والتقدم الحضاري، والتي تجد من ينافح عنها، ويعمل على محاربة القيم والعقائد الدينية. الأمر الذي أدى في نهاية الأمر إلى توظيف الدولة هذا المبدأ العلماني الغربي في صراعها مع الجماعات الدينية، وذلك لتوسيع دائرتها السلطوية، وفرض الرؤية المعيارية والثقافة الخاصة بالنخب الحاكمة، ولعل حرمان الطالبات المسلمات في فرنسا من حقهم في اختيار نوعية اللباس الذي يتماشى مع قيمهم ومعتقداتهم دليل واضح على حماية العلمانية (تأملات في مستقبل التعددية الدينية والثقافية ، 2011).
وعلى هذا، تختلف العلاقة بين الدين والثقافة حسب اختلاف المنظور لهما. فمن المنظور الإسلامي، يقوم الدين بأهم الأدوار في بناء الثقافة وتوجيهها، ومن ثم تتعدد الثقافات في ظل إطار الدين الواحد الذي يجمعها. أما منظور الآخر، فيرى أن الدين جزء من ثقافة المجتمع، وطالما أن الأديان متعددة ومتنوعة، فكذلك الثقافات تتنوع وتتعدد مرجعياتها.
ص. 35أما مفهوم التعددية الدينية فقد راج في الغرب في منتصف القرن التاسع عشر على يد القس الفيلسوف البريطاني جون هيك الذي طرح المسألة في كتابه "فلسفة الدين" كفهم جديد للكتب السماوية. ووفقًا لما تناوله، فُسّرت التعدّدية الدينية - تفسيرًا سلوكيًا - بأن يعيش أتباع الديانات المختلفة بعضهم مع بعض حياة مسالمة، ويتحمل بعضهم الآخر، ومن ثم يكون هدفها هو تحجيم التعصب الديني لدى أتباع الديانات المختلفة (باصديق، 2008).
والإسلام يعد التنوع أو التعددية السمة الطبيعية المميزة للبشر والمجتمعات والحضارات والأديان. وقد أقرَّ القرآن فكرة "اختلاف البشر في الأديان" أو التعددية الدينية، واعتبرها بمشيئة الله عز وجل التي لا تنفصل عن حكمته سبحانه وتعالى، ولا يملك أحد أن يرد مشيئة الله ويغير سننه في الكون؛ فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود:118-119)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:99).
وبناءً على اختلاف المرجعية، فإن التعددية الدينية – من منظور الثقافة الغربية - تسعى إلى نمط من الفكر الديني لا يتقيد بأية قواعد، ولا يستند إلى أية أصول ثابتة، بل يستند إلى حرية الإنسان في اختيار الإله أو الدين الذي يهواه، فالحرية الدينية تقوم على فكرة النسبية في الحقائق والعقائد والقيم. وهذا هو ما أكده لغنهاوزن (2009) - عالم الفلسفة الأمريكي الذي اعتنق الإسلام عام 1984م - بأن التعددية في الغرب هي من إفرازات الفكر الليبرالي الذي يؤكد على النسبية القيمية ويرفض الثبات والإطلاق في معايير الأخلاق.
وكما يتضح فإن العلاقة بين التعددية الثقافية والتعددية الدينية لا تأخذ صورة واحدة، بل تأخذ أشكالًا وصورًا مختلفة تبعًا للعلاقة الأساسية بين الدين والثقافة.
ص. 36