تناولت الدراسة الإطار الفلسفي للتعددية الثقافية، وتحدثت عن واقعها في الغرب وفي الإسلام، موضحة في ثناياها آثار وانعكاسات التعددية الثقافية على التربية، ثم قدمت بعض الوسائل والأساليب المعينة على تفعيل التعددية الثقافية في المؤسسات التربوية في ظل التربية الإسلامية، وبعد تحقيق أهدافها تخلص الدراسة إلى ما يلي:

أ- الاستخلاصات العامة:

- نشأ مصطلح التعددية الثقافية في العصر الحديث في ظل ظروف تاريخية وفكرية معينة في العالم الغربي، وتأثر مفهومه بالتنوع المحدد والظروف الحاصلة في تلك البيئة الغربية.

- يرى الباحث أن تطبيق التعددية حاليًا في العالم لا يتجاوز حدودًا أو نطاقًا معينًا، كما أن هذا التطبيق لا يسمح لجميع الفئات والأقليات بعرض موروثها والاحتفاء به، وبحسب نماذج عدد من الدول فإن التعددية تأخذ إحدى صورتين: إما الاستبعاد وإما الاستيعاب، فأما الاستبعاد فهو عملية انتقاء لأنماط أو أشكال (تكامل ثقافي)، وأما الاستيعاب فهي عملية دمج قسرية (الصهر الثقافي).

ص. 144

- كل التوجهات الفكرية الحديثة وتطبيقاتها تنطلق من مبدأ وجود عرق أو لون أو قومية تملك أفضلية وأحقية أكثر من غيرها، وعليه فإنه ينبغي على هذه الفئة التي تملك الأفضلية تقبل الآخرين والتسامح معهم كنوع من التنازل والاعتراف في سبيل التعايش الآمن، بينما لا يرى الإسلام أي أفضلية لأي من المتغيرات أو النزعات، إلا أفضلية تُكتسب باتباع الشريعة الإسلامية، وأن كل تلك العلاقات بين الناس ينبغي ألا تقوم على مبدأ وجود تفاضل قومي أو عرقي أو لوني أو فكري أو ثقافي أو غير ذلك.

- التجربة البشرية والخبرة الإنسانية لا ترقى إلى أن تكون ضابطًا للقيم والنظم، لأنها لم تصل إلى الصحة المطلقة أو الخيرية المحضة.

- الإسلام يقدم رؤيته وفق حدود كونية، وليس ضمن حدود جغرافية كدولة، أو علائقية كأحلاف، وهذه واحدة من خصائص ومميزات التعددية في الإسلام.

- الإسلام يمنح البشرية الحرية الكاملة المنضبطة، وفقًا لتشريعاته ومبادئه، ويمنع ما فيه إخلال بحكمة تواجدهم وخلقهم وهو عبادة الله وحده، أو ما فيه ضرر على الفرد والمجتمع والأمة.

- الإسلام يلتزم بمبادئه ولا يخالفها، فهو لا يطلق شعارات براقة يتراجع عنها عند التطبيق الفعلي.

- الإسلام لا يخضع لمقاييس ومعايير النظم الحالية، فهو أكبر وأشمل منها، وهذه النظم تضع تصوراتها وفق ما توصلت إليه المعرفة البشرية البحتة، كما أنها تخضع لضغوط إقليمية ومعايير انتقائية.

- لا يمكن وضع نظام معين موحد على أنه يمثل نظرة الإسلام للتعددية، إذ أن ذلك احتكار لمفهوم التعددية، فضلًا عن كونه خرقًا للتعددية نفسها، وإنما يمكن تصور عدة نماذج تشمل طرقًا وأساليب متنوعة للتعامل مع التنوع والاختلاف بين البشر، وهذه النماذج تتشكل بحسب نوع الاختلافات الموجودة أو الصراعات القائمة، وعليه فإن كل حالة تصادم أو صراع بين تنوعات أو فئات هي حالة فريدة ينبغي أن تعالج وفق خصائصها وظروفها التي نشأت وتكونت فيها، ويصح في الإسلام أن تختلف أساليب ومناهج التعامل مع التنوع وفقًا للظروف والوضع القائم.

- يرى الباحث أن كل الأنماط والسلوكيات والموروثات والثقافات الأخرى تتدرج في الإسلام وفق المستويات التالية:

ص. 145

* القبول والتأكيد: كتوحيد الله عز وجل، واحتواء القرآن الكريم على عدد من الكلمات من اللغات الأخرى غير العربية، كالحبشية والنبطية والفارسية وغيرها، وكذلك استحباب صيام يوم عاشوراء، وإحالة بعض الأحكام إلى العرف، ما لم يكن ذلك العرف محللًا لمحرم أو محرمًا لحلال.

* القبول والرضا والتهذيب: كالعادات والصفات والأخلاق الجيدة التي كان عليها العرب قبل الإسلام، فحسنها الإسلام وهذبها، وجعلها مطابقة لقواعده ومبادئه، فمن الصفات: الكرم والجود والشجاعة، ومن العبادات: الطواف بالبيت والحج، ومن الأفعال والأقوال: نظم الشعر وتعلم الرماية وغير ذلك من الممارسات التي كانت جزءًا من شخصية العرب قبل الإسلام.

* الاعتراف بالوجود وعدم القبول: يعترف الإسلام بوجود أنماط سلوكية وعادات فاسدة، لا يمكن أن تستمر، إما لمصادمتها للفطرة السوية، أو لما يترتب عليها من ضرر وإضرار بحق الفرد أو المجتمع، فيرفضها الإسلام رفضًا قاطعًا، لكنه لا يتجاهلها، بل يعالجها بكل الطرق الممكنة، وقد يفرض عليها عقوبات حسية ومعنوية، كعبادة غير الله عز وجل، والعبث بالحق، والظلم والتعدي على الآخرين.

ويدخل في هذا المستوى أيضًا، ما عده الإسلام كبيرة من كبائر الذنوب، تترتب عليها عقوبة في الدنيا أو لعن أو وعيد في الآخرة، كالسرقة والزنا والقتل واللواط والربا والرشوة وغير ذلك، فأي سلوك اشتمل على إحدى الموبقات فإن الإسلام يرفض ذلك السلوك، لما يترتب عليه من المفاسد والمضار على الفرد والمجتمع، والإسلام وإن كان يقر عقوبات حسية على فاعلي تلك الموبقات، إلا أنه لا يخرجهم من دائرته، بل هم مشمولون في مسمى الإيمان، ويقرر الإسلام دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ومناقشتهم وإقناعهم.

- لتفعيل التعددية الثقافية في المجتمع المسلم، يتطلب ذلك جهودًا متواصلة ومتناسقة بين كل المؤسسات التربوية، تستند إلى مرتكزات ومنطلقات واضحة، وتعتمد آلية قابلة للتطبيق.

ب- التوصيات:

بناء على هذه الدراسة، يوصي الباحث بما يلي:

- دراسة تجارب الدول الحديثة في محاولتها إيجاد صيغة تعايش وتفاعل بين مختلف الثقافات التي تشملها، والوقوف على النقاط الإيجابية منها، ومعرفة قصور تلك التجارب، انطلاقًا من الأسباب الداعية لتبني سياسة التعددية الثقافية، وانتهاءً بالغاية التي يسعون إليها.

- دراسة النماذج الإسلامية، والتي اعتمدت على التعاليم والقيم الإسلامية في استيعاب كل الأطياف المختلفة تحت ظل حكم الشريعة وعدالتها، كنموذج المدينة المنورة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكنماذج البلدان التي فُتحت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

- دراسة شعيرة الحج من وجهة نظر إنسانية واجتماعية، كنموذج حي لتقبل الإسلام لكل الثقافات والتنوعات البشرية والاختلافات الطبقية المادية، من حيث توحد الشعائر فيه، واختلاف الثقافات وتنوعها.

- ترجمة الكتب والمنشورات والدوريات الأجنبية التي تتناول موضوع التفاعل بين الثقافات والفئات المختلفة، لإثراء المكتبة العربية، ولدراسة قدرة الإسلام على حل تلك الإشكاليات الحديثة والمتجددة بين الهوية الثقافية وبين المتطلبات العصرية للتعددية الثقافية.

- توسيع محتويات المناهج التعليمية لتشمل ثقافات وموروثات الفئات والمجموعات المستهدفة في النطاق التعليمي، بما يضمن تمثيلًا عادلًا لتلك الفئات في المناهج، ويلقي الضوء على تاريخها وأيامها ومناسباتها الخاصة، مع بيان موافقة تلك الخصوصيات أو مخالفتها للتعاليم الإسلامية.

ص. 146

- حث الباحثين على دراسة مواضيع التعددية الثقافية وما يرتبط بها من مفاهيم ومصطلحات، وتحليلها ومحاكمتها في ضوء الشريعة الإسلامية، كمفهوم التربية الشمولية، والتربية متعددة الثقافات، والتكامل الثقافي، والدمج الثقافي وغيرها.