أوضحت الدراسة موقف الإسلام من المبادئ التي استندت إليها التعددية الثقافية في الغرب، وهي نسبية الحقيقة والحرية والعدالة، وحيث أن الإسلام له نظرته الشاملة للإنسان كفرد، ولعلاقاته مع الآخرين كمجتمع، فإنه يستند في تعدديته إلى مبادئ أخرى إضافة إلى ما سبق ذكره، وهي:
1- المؤاخاة:
المجتمع هو الكيان الذي ينبغي أن يرتبط الأفراد فيه بعلاقات قوية قائمة على التعاون والتراحم والمحبة، وعندما يصل أفراد المجتمع إلى درجة عالية من الترابط والاهتمام المشترك والإحساس الداخلي بالحاجة الملحة لبعضهم؛ فإن هذا يعني أن المجتمع قد وصل إلى درجة التآخي.
وقد صوّر لنا القرآن الكريم صورة رائعة للتآخي داخل المجتمع المسلم، ووصف المؤمنين بالإخوة، وأكد على ضرورة تحقيق التعاون والتراحم والمحبة للوصول إلى تلك الدرجة من الترابط والانسجام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10)، بل وامتن الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن جعلهم إخوانًا بعد أن كانوا أعداءً، فيقول: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران:103).
ص. 96وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، حيث كانت المدينة ممزقة بين الأوس والخزرج، في الوقت الذي استقبلت فيه المهاجرين الذين تركوا أموالهم وأولادهم بمكة، لتعطينا هذه العملية صورة مثالية لأعلى درجات التكافل والتضامن داخل المجتمع، وليضع بذلك عليه الصلاة والسلام أول دعائم بناء الدولة الإسلامية، التي ذابت فيها العصبية القبلية والحميّة الجاهلية، وسقطت بها فوارق العرق والنسب واللون والوطن، ويروي أبو هريرة رضي الله عنه صورة من صور التآخي، فيقول: "قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا" (البخاري، 2002، رقم الحديث:2325، ص559).
والأخوة في الله وإن كانت تستثني المخالفين في الدين والعقيدة، إلا أنها لا تستثني في ظل الإسلام لونًا أو عرقًا أو لغة، بل وكانت المؤاخاة في المدينة قد ضمت رجالًا من مختلفي الثقافات والعرقيات، فقد كان فيهم الفارسي والرومي والحبشي والعربي، ولم يكن ذلك عائقًا ليقف بين تآخيهم.
2- التعاون:
التعاون ضرورة من ضروريات الحياة، وهي تعني تواجد فرد أو أكثر لتقديم يد العون والمساعدة لفرد آخر أو أكثر، ولا يمكن للإنسان وحده أن ينجز كل ما يقيم حياته بمفرده، بل حتى الجماعات نفسها تحتاج إلى جماعات أخرى تتقاسم معها الأعباء والمكاسب، كما أن التعاون أوضح برهان على قيمة الحياة الاجتماعية، وعلى ثمرة العمل الجماعي الذي يفضي إلى إنجاز أسرع للمهام في أقصر وقت وجهد ممكنين.
قال ابن تيمية (1987): "حياة بني آدم وعيشهم في الدنيا لا يتم إلا بمعاونة بعضهم لبعض في الأقوال أخبارها وغير أخبارها وفي الأعمال أيضًا" (ج6، ص364).
فالتعاون هو: "التعبير المشترك لشخصين أو أكثر في محاولة لتحقيق هدف مشترك" (بدوي، 1986، ص86).
ص. 97وقد حث الإسلام على التعاون ورغب فيه، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ (العصر)، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:2)، قال القرطبي (2003): "وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي ليُعن بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه، وهذا موافق لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدال على الخير كفاعله)" (ج6، ص46).
ويدخل في التعاون على البر والتقوى: الدعوة إلى الحق واستيفاء الحقوق واعطاء المستحقين وتيسير أعباء الحياة ورفع الظلم وتفريج الكربات وتقديم النصيحة وإقامة الحدود، وغير ذلك مما فيه مصلحة البلاد والعباد.
وأعلى صور التعاون، هو ما يكون بين الراعي والرعية، "وإنما هو والرعية شركاء، يتعاونون هم وهو على مصلحة الدين والدنيا، فلا بد له من إعانتهم، ولا بد لهم من إعانته، كأمير القافلة الذي يسير بهم في الطريق، إن سلك بهم الطريق اتبعوه، وإن أخطأ عن الطريق نبهوه وأرشدوه، وإن خرج عليهم صائل يصول عليهم تعاون هو وهم على دفعه" (ابن تيمية، 1986، ج5، ص463).
3- المحبة:
لا بد للمجتمع أن يشعر أفراده بنوع من العلاقة القائمة على المحبة، من أجل استمراره وتقدمه، ومن أجل تحقيق غايات الحياة الاجتماعية من إشباع للرغبة والغريزة الفطرية ومن أجل تحقيق التراحم والتعاطف بين أفراد المجتمع، فالأب يشعر بالمحبة تجاه أبنائه، والزوجين تجاه أحدهما، والفرد تجاه أقربائه وأصحابه، ويشعر بها الفرد تجاه من يشترك معه في المطالب أو المصير.
ص. 98وقد تفضّل الله على المؤمنين بما أنعم به عليهم من الشعور بالمحبة تجاه بعضهم، ومن تأليف قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:63)، أي: "إنه تعالى جعلهم أمة واحدة متآلفة" (الزحيلي، 2009، ج5، ص401)، كما جاء الحث على المحبة والترغيب فيها في نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، ففي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (البخاري، 2002، رقم الحديث:13، ص14)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (النيسابوري، دت، ج1، رقم الحديث:54، ص74)
والمحبة: "تعلق القلب بين الهمة والأنس في البذل والمنع على الإفراد" (الهروي، 1988، ص88)
وقد قسّم الأصفهاني (2007) المحبة الاختيارية إلى أربعة أقسام:
الأول: للشهوة، وأكثر ما يكون بين الأحداث.
والثاني: للمنفعة، ومن جنسه ما يكون بين التجار وأصحاب الصناعة الهنية وأصحاب المذاهب.
والثالث: مركب من الضربين، كمن يحب غيره لنفع، وذلك الغير يحبه للشهوة.
والرابع: للفضيلة، كمحبة المتعلم للعالم، وهذه المحبة باقية على مرور الأوقات (ص256).
والإسلام لا يقصر المحبة على طبقة أو عرق أو لغة، بل يجعله عامًا مرتبطًا بالله وحده، فالمحبة له وفيه سبحانه وتعالى. كما حذر من المحبة المذمومة، والتي تكون لغيره، ويُستعان بها ويُتقوى على الظلم والبطش والاعتداء على الأموال أو الأعراض أو الحرمات.
4- التراحم:
ص. 99لا يستقيم حال مجتمع من المجتمعات ما لم تكن قائمة على التراحم والتكافل بين أفرادها، فبالتراحم يعطف الغني على الفقير، والقادر على العاجز، والصحيح على المريض، وبه يشتد بناء المجتمع ويستقر، وتنتشر المحبة وتدوم، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع المسلم بأنه متراحم، ففي الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (النيسابوري، دت، ج4، رقم الحديث:2586، ص1999).
والرحمة: "رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة" (الأصفهاني، 1412، ص347).
والرحمة لا تقتصر على فئة من الناس دون أخرى، أو قوم دون آخرين، بل هي رحمة عامة شاملة، مستندة على قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:1924، ص439)، وفي الحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قَبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يَرحم لا يُرحم" (البخاري، 2002، رقم الحديث:5997، صص1505-1506).
ولا يتخلى عن هذا الخلق إلا من قسى قلبه، وتخلى عن إنسانيته وإسلامه، فشَقِي وأشقى معه غيره، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تُنزع الرحمة إلا من شقي" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:1923، ص439)، بل ويتجاوز هذا الخلق الرفيع حدود الإنسانية لتشمل الحيوانات، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة" (البخاري، 2002، رقم الحديث:6012، ص1508)، قال ابن بطال (دت): "في هذه الأحاديث الحض على استعمال الرحمة للخلق كلهم كافرهم ومؤمنهم ولجميع البهائم والرفق بها، وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب ويكفر به الخطايا، فينبغي لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ بحظه من الرحمة، ويستعملها في أبناء جنسه وفى كل حيوان" (ج9، ص219).
ص. 100