مدخل:

يعتبر الإسلام ثقافة قائمة بذاتها، من واقع كونه يعبر عن رؤية متكاملة للكون والإنسان والحياة والوجود والمعرفة والحقيقة، ولا يقتصر مفهومه على الآيات والنصوص والتعاليم والقيم فقط، بل يتجاوزه إلى السلوك والممارسات والأفعال، ويذهب إلى أبعد من ذلك حيث يقدم تصورًا للمستقبل وبناء الأرض وعمارته والاستعداد لحياة ما بعد الموت.

ولا يرتبط الإسلام بمُكوّن ما، كلون أو عرق أو لغة أو موقع، بل أثبت أنه قادر على احتواء كل تلك المكونات بتبايناتها المعقدة، بما يتميز به من خصائص تجعله صالحًا لكل زمان ومكان.

وهذه الصلاحية تبدأ من كون الإسلام دينًا عامًا للجميع، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:28)، "قال محمد بن كعب في قوله: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ) يعني: إلى الناس عامة." (ابن كثير، 2000، ج11، ص287)، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف:158)، "أي قل يا محمد للناس إني رسول الله إليكم جميعًا لا إلى بعضكم دون بعض؛ ففي الآية دليل على عموم رسالته إلى كافة الخلق" (الخازن، 1415، ج2، ص258)، وقال عليه الصلاة والسلام: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (البخاري، 2002، رقم الحديث:335 ، ص92).

ص. 74

ومن منطلق عمومية الإسلام الذي يحتم عليه احتواء مختلف الأعراق والألوان واللغات، ويحتم عليه التواجد في كل رقاع الارض من جبالها وسهولها وأوديتها؛ كان الإسلام شاملًا ملمًا ومتمًا لكل جوانب الحياة باختلاف أشكالها وأنماطها، وذلك من خلال إقراره للقيم والمبادئ التي لا تنفك البشرية في الاحتياج لها، ومن خلال إقراره لقواعد كلية عامة مع إحالة تفاصيلها إلى عرف الناس وطباعهم، ومراعاة اختلاف بلدانهم وأزمنتهم، فالعادة محكمة، يقول ابن القيم (1423): "ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم" (ج4، ص470).

ومن هنا أيضًا يتضح ثبات الإسلام ومرونته، فثباته على قواعده الكلية العامة لا تعني جموده أمام الأحداث والنوازل التي تتوالى، بل يتكيف الإسلام ليصوغ نظرته لتلك المستجدات، وفقًا لقواعده الكلية الثابتة الراسخة، يسنده في ذلك وسطيته التي لا تترك مجالًا للإفراط أو التفريط في عبادة الله وعمارة الأرض.

وهذه الوسطية في الإسلام ساهمت في دخول الناس فيه أفواجًا، ومكّن لهم إظهار استقلاليتهم وخصوصيتهم، كما لا يمنعهم من عاداتهم وتقاليدهم وإرثهم المتوافق مع الشريعة السمحة.

وما كان الإسلام ليكون بهذه القدرة على التأثير إلا لكونه منهجًا ربانيًا إنسانيًا، فهو صادر من الرب سبحانه وتعالى ولنفع الإنسان، فلم يأت هذا الدين نتيجة إرادة شخص أو شعب وإنما إرادة الله سبحانه وتعالى الخير والهدى للناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (النساء:174).

ص. 75

لقد جمع الإسلام بين الخلق جميعًا مع ما يحملونه من موروثات وقيم وعادات، ثم هذبهم بالعلم والتعليم، انطلاقًا من أول كلمة نزلت من القرآن الكريم (اقْرَأْ)، ويشير الميلاد (2004) إلى أن العلاقة بين الإسلام والثقافة اتحدت منذ أول كلمة نزلت من القرآن الكريم: (اقْرَأْ) فبعد مرحلة الخلق التي عبرت عنها الآيات الأول في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق:1-2)، تبدأ مرحلة العلم ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:3-5).

ولقد جمع الإسلام بخصائصه كل تلك الثقافات المتناثرة تحت كلمة واحدة، وأورثها خصائصه، وصاغ منها ثقافته المتميزة التي تمتد من السماء إلى الأرض، ومن ما قبل المهد إلى ما بعد اللحد، صاغها في منظومة بديعة متكاملة ومترابطة.

كما صبغ الإسلام بخصائصه كل تلك الثقافات التي احتواها، وأوجد لها مساحة كافية من الظهور والنمو والتهذيب، فأنّى اتجهت إلى أراضي المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، تجدهم متحدين في قيمهم ومبادئهم وعبادتهم، متميزين ومتمايزين بحسب بلدانهم وأعراقهم ولغاتهم.

ويوفر منسك الحج إلى بيت الله الحرام صورة مصغرة واضحة المعالم لهذه التعددية الرائعة التي أقرها الإسلام ورعاها، فحيث يجتمع الناس باختلاف مشاربهم وأجناسهم وعاداتهم في مكان واحد ليؤدوا عبادة موحدة مشتركة، وحيث يصطف الكبير والصغير والأبيض والأسود والعربي والأعجمي صفًا واحدًا خلف إمامهم يأتمّون به دون تمييز أو تفريق؛ لهي صورة واضحة جلية على قدرة الإسلام على صياغة هذه الثقافات المختلفة واحتوائها في نسق متجانس متكامل.

اليوم، في الدول الإسلامية التي ورثت البناء القومي للدولة، ورثت أيضًا كثيرًا من القيم والمبادئ التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وهذا يعني وجود تقبلٍ معقولٍ لكل الأطياف، إثنية كانت أو دينية أو ثقافية، ورغم وجود الإسلام في تلك الدول كدين قادر على احتواء كل تلك التمايزات والتنوع الكبير، إلا أن اضطرابات الوضع القائم والأحداث المتلاحقة تُظهر بشكل واضح هذه التمايزات والاختلافات.

ص. 76

ولذلك لا يمكن اعتبار نسق تلك الدول كمقياس لتصور الإسلام وسماحته، ومبادئه الكاملة المراعية للتنوع والاختلاف الثقافي، ولكن الإسلام عالج مسألة التنوع فكرًا وواقعًا ممارسًا عبر فترات مختلفة من عصور الدول الإسلامية، ويبرز العهد المدني كمثال حي لهذه المعالجة.

لقد اعترف الإسلام بتعددية الخلق واختلاف ألسنتهم وألوانهم وثقافاتهم، وساهم في انبعاث ثقافات أخرى بعضها تندرج تحت قواعده ومبادئه وأخرى ضدها، لكنه كان دائمًا وأبدًا طرفًا في أي قراءة فكرية تتناول موضوع التنوع والاختلاف الثقافي، وهذا لا يجعله فقط كمتغير في هذه المعادلة، بل ويجعله حاكمًا وضابطًا لها.

"ويرى البعض أن الحضارة الإسلامية مثلًا، شاركت فيها أنواع عديدة من العناصر والأجناس والأديان المختلفة، وساهمت في إثرائها ثقافات متعددة، فكلٌ بثقافته شارك في تشييدها وازدهارها، وكلٌ ترك له بصمة في ناحية من النواحي الحياتية فيها." (الرويسي، 2010).

وقدرة الإسلام ونظرته للاختلاف والتمايز ينبغي أن تتحول إلى تطبيقات حقيقية برغم تصادمها مع بعض مسلمات وضرورات قيام الدولة المدنية الحديثة، إذ وأن مجرد تواجد الإسلام بتسامحه وعدالته وقيمه كانت كافية لمنح عديد الدول الإسلامية الحديثة قدرًا كبيرًا من الاستقرار والتقبل للآخر والاعتراف به والتعايش السلمي معه.

لقد وضع الإسلام ثوابت وضوابط لحفظ حقوق الأفراد والجماعات، وتنظيم العلاقات بينهم، وحدد أطرًا للتعايش والتعارف، من إخلال إقرار الحقوق والواجبات، وحَدّ الحدود والعقوبات، في سبيل تمكين الإنسان من الاستخلاف في الأرض وعمارتها في ظل نظام متوازن منضبط.

ويقرر العهد المدني صورة مصغرة لهذه الثوابت والضوابط، من خلال ما تم من توقيع عهود ومواثيق مع اليهود في المدينة تحفظ لكل طرف حقه في التعايش السلمي والمساندة والحماية المشتركة، وكذلك من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وتحولت المدينة المنورة إلى مدينة متعددة الثقافات تجمع بين جنباتها أفرادًا من كل القبائل العربية باختلاف لهجاتهم ومشاربهم، بل وأيضًا أفرادًا غير عربٍ، أحباش وروم وفرس.

ص. 77

ولا يقتصر تعددية الإسلام عند هذا، بل وتقدم صور استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لوفود القبائل والترحيب بهم واستضافتهم -مشركين ونصارى- نموذجًا آخر في تقبل الآخر ودعوته والتعايش معه.

ص. 78

مباحث الفصل