التعددية كواقع، هو قدر كوني لا يمكن إنكاره أو تجاهله، وعندما يتم الحديث عن التعددية الثقافية فالمعني هو الجانب الاصطلاحي منه، أي نظرية وسياسة التعامل مع التنوع والاختلاف.

ومنشأ الاهتمام بهذه الكلمة كاصطلاح كان أوروبا والغرب عمومًا، ويتولى الغرب ومفكروه مهام تسويق هذا المفهوم وتعميمه وفق التجربة الغربية، وهذا يدعونا لدراسة نشأة التعددية الثقافية في الغرب، للوقوف على الأسباب التي شكلت وكوّنت هذا المفهوم.

ويمكن تحديد هذه النشأة بمسارين أو جانبين متلازمين، أثّر كلٌ منهما في الآخر تأثيرًا كبيرًا، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر أو تحييده عند الحديث عن نشأة التعددية الثقافية في الغرب. وهذان الجانبان هما:

1- الجانب التاريخي

كانت أوروبا القديمة تعج بالجماعات التي يرتكز بناؤها وتنظيمها حول قواسم مشتركة، وترتبط بأرض الآباء والأجداد (موطن)، وكانت تلك الجماعات تتباين ثقافيًا، إلا أنه "ومع بلوغ القرن الثالث عشر الميلادي، أخذت تلك التباينات تزداد عمقًا عبر اكتسابها عنصري اللغة والعرق، فكانت ولادة أولى إرهاصات فكرة الأمة" (مجيد، 2010، ص14).

وكان للصراعات والحروب القائمة بين هذه الجماعات أثر في تكون التحالفات التي استوطنت أقاليم معينة، والتي تطورت لتقدم النموذج الأولي للدولة الحديثة، ثم توسعت تدريجيًا لتضم الإقطاعيات والجماعات التي تنسجم معها ثقافيًا (مجيد، 2010، ص‌ص 14-15)

ص. 37

وقد حاولت الكنيسة جاهدة توحيد تلك الدويلات المتناثرة في بناء ثقافي واحد يستند على أساس ديني، واستخدمت لذلك آليات لعل أبرزها هي الحملات والحروب الصليبية التي شنتها تلك الدول تجاه حضارة أخرى مغايرة لها، وهي الحضارة الإسلامية، فقد "كان للحروب الصليبية التأثير الأقوى على مدَنية بدأت تعي ذاتها، فمن وجهة النظر التاريخية كانت هذه الحروب تمثل أول محاولة قامت بها أوروبا وكانت ناجحة تمامًا في سبيل النظر إلى نفسها على ضوء الوحدة الثقافية" (أسد، 1997، ص18).

إلا ان هذا المشروع الكنسي لم يدم بسبب انشقاقات الكنائس عن بعضها وعن السلطة البابوية في روما، وكذلك دخول الكنيسة في صراع مع سلطة الملكيات فيما عرف بـنزاع التنصيب، وهو ما أضعف الوحدة الدينية التي قامت حينها، وأبرزت مزيدًا من التباين بين تلك الدويلات (تاريخ المسيحية، دت).

وكان لتسلط الكنيسة ومحاولة فرضها طريقة ونمطًا محددًا من الحياة على الأفراد والجماعات؛ سبب في قيام الثورة ضدها ومناهضتها، ليُبرز توجهًا علمانيًا ليبراليًا ساهم فيما بعد وبشكل فاعل في تشكيل الدولة الحديثة.

وقد حرصت كل قومية على الحفاظ على نطاق سيطرتها وبنائها السياسي، من خلال تجنيد نفسها ضد محيطها، إلا أن وجود التباينات بين فئاتها الداخلية حتم عليها ضرورة العمل على إيجاد صيغة للوصول إلى أفضل تمثيل وتعايش ممكن داخل الدولة، وهذا وإن أوجد انسجامًا مقبولًا إلا أنه أوجد أيضًا تباينًا أكبر مع دول أخرى مجاورة قامت على نفس الفكرة والمبدأ، وهو ما جعل الصراع يشتد ليصل إلى أعلى مستوى ممكن، يتمثل في صورة الصراع القومي بين الدول، وتسبب هذا الصراع في أكبر حربين عرفهما التاريخ المعاصر: الحرب العالمية الأولى والثانية.

ص. 38

وكان من إفرازات هذه الحروب أن استعمرت تلك الدول الأوروبية بلادًا ودولًا أخرى خارج القارة الأوربية، بغرض السيطرة على مصادرها الطبيعة الخام، والتقوِّي بها في هذه الحروب، إلا أن انهيار سياسة الاستعمار وإن كان قد تسبب في النزاعات والحروب الإقليمية والعرقية والدينية بسبب عوامل داخلية داخل البلاد المستعمرة؛ تسبب أيضًا في إيجاد مزيد من الصراع والنزاع داخل تلك الدول الغربية نتيجة الهجرة الكبيرة لسكان أسيا وأفريقيا، واستيطانهم عواصم وكبرى المدن الأوروبية، لتُظهر حاجة ملحة لدى تلك الدول إلى ضرورة إيجاد صيغة مشتركة لتعايش الجنسيات والثقافات والديانات داخل إطار الدولة.

وفي أمريكا وبحكم كونها وطنًا لمجموعات من المهاجرين والفئات المتباينة عرقًا ولونًا وعقيدة؛ فإن أول معالجة لمفهوم التعددية كانت بواسطة هوارس كولين، الذي ألف كتابه: الديمقراطية في مواجهة بوتقة الصهر، الصادر في عام 1915، والذي يرى فيه "أن الطبيعة لا تعمل على توحيد الناس من الناحية البيولوجية، بل إنها تعمل على تنويعهم وتمايزهم" (مجيد، 2010، ص142).

كما نمت فكرة التعددية الثقافية فيها وأصبحت فكرة سياسية ناشطة ضد التمييز العنصري في الستينات من القرن الماضي، حيث تصاعدت المطالبة بحق الاختلاف عن الآخر، وحق المساواة في الحقوق المدنية بين جميع الفئات المهمشة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، بهدف تكسير الحد العنصري الفاصل بين البيض والسود. (عبدالباقي، 2009).

لكن الدراسات الفكرية والجهود العملية لم تكن لتمنع أمريكا من الوقوع في أزمات حقيقية في التعامل مع التنوع الثقافي الكبير والموجود فيها.

وقد شهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بروز عدد من التوجهات الفكرية القائمة على أسس ليبرالية، بعضها ذات نزعة تميل إلى بناء النظرية حول الفرد من حيث حقوقه وواجباته وحريته، وبعضها الآخر تركز على أهمية الجماعات والولاءات لها، فهذه التوجهات "موزعة بين اتجاهين رئيسين: أولهما هو الاتجاه العام والمهيمن الذي يمثله كل من جون راولز وتوماس همفري مارشال. ويركز هذا الاتجاه على فكرة المساواة بين المواطنين والحقوق المدنية والسياسية الأساسية. أما ثانيهما فيتمثل في الاتجاهات الفرعية، ويعبر عنها كل من بروس أكيرمان وتشارلز تايلور ومايكل والزر وويل كيملكا" (مجيد، 2010، ص20).

ص. 39

وهذه التوجهات الفكرية وبالرغم من تباينها إلا أنها تشترك في محاولة تسوية التباينات والاختلافات بين الأفراد داخل المجتمع، عبر توسيع نطاق مفهومي العدالة والمساواة.

2- الجانب الفلسفي

قامت فكرة التعددية الثقافية كمفهوم فلسفي لمواجهة نزعة الأحادية الأخلاقية، التي تفترض المساواة والتطابق الأخلاقي بين الناس، بينما تذهب التعددية إلى اعتبار أن البشر متفقون ومختلفون في آن واحد، فهم يولدون في مجتمعات تصوغهم وتشكل شخصياتهم وتطبعها بطابع خاص، كما أنهم يشتركون مع الآخرين في إعادة تشكيل الطبيعة الإنسانية المشتركة بطرق متباينة (عزام، 2008).

وهذه الفكرة هي إحدى نتاج التوجه الفلسفي النسبي، الذي يفترض أن وجود كل أمر متوقف على غيره، كما يرى أن كل وجهات النظر صحيحة وشرعية ومتساوية، فـ "العقل لا يستطيع أن يعرف كل شيء، فإذا عرف بعض الأشياء لم يستطع أن يحيط بها إحاطة تامة. وما من فكرة في العقل إلا كان إدراكها تابعًا لمعارضتها لفكرة سابقة مختلفة عنها أو شبيهة بها، لذلك كان من المحال إدراك المطلق، لأنه لا يتصور وجود شيء خارجه حتى يعارض به" (صليبا، 1982، ج2، ص467). وفي الجانب الثقافي فإن النسبية ترى أنه "لا يمكن فهم وتفسير وتقييم الثقافات أو الظواهر الثقافية على وجه صحيح إلا إذا نظرنا إلى الظواهر التي نقوم بدراستها بالنسبة إلى البيئة الموجودة بها وإلى الدور الذي تؤديه في نسق اجتماعي وثقافي أكبر، وأنه بالتالي ليست هناك قيم شاملة مطلقة" (بدوي، 1986، ص352).

وتبعًا لذلك فقد تعددت الأفكار والآراء حول مفاهيم عميقة كالحقيقة والحرية والعدالة وغيرها، وشكلت هذه الاختلافات نواة الدعوة إلى تبني مواقف في التعامل مع كل أنواع الاختلاف والتباين الموجود والسائد.

ص. 40

ورغم ما آلت إليه تلك الاختلافات من صراعات ومخاطر، خاصة داخل المجتمع الواحد، إلا أنه من الممكن رصد أهم الأمور التي دعت إلى الاهتمام بالتعددية الثقافية والالتزام بها عالميًا فيما يلي:

1- الهجرة: تشكل حركة الهجرة إلى أمريكا الشمالية أو أوروبا بحثًا عن فرص عمل أو حياة أكثر أمنًا ظاهرة عالمية، "وقضية الهجرة مرتبطة بقضايا أخرى كالفقر، والحروب والنزاعات المسلحة، وانحسار مستوي الحريات العامة، والأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية في الكثير من بلدان العالم الثالث، وأخيرًا وليس أخرًا العولمة وما أفرزته من متغيرات علمية وتكنولوجية جمة رمت بظلالها على مجتمعات العالم كافة" (الصايغ، 2010).

وتؤثر الجماعات المهاجرة تأثيرًا كبيرًا في مجريات الحياة العامة في دول الهدف، إذ تنافس على فرص العمل المتاحة، وتساهم في التأثير على الهوية القومية لتلك الدول، من خلال ما يفرضه الواقع من التعاطي مع تلك الهوية، كما أن انغلاق بعض الجماعات حول نفسها خلق مشكلة دفعت حكومات تلك الدول إلى تبني سياسات دمج داخل المجتمع، و "لا يمر يوم واحد في أوروبا دون أن تسمع أو تقرأ عن مشاكل إدماج المهاجرين وبالأخص المسلمين منهم في المجتمعات؛ والمصيبة الآزفة والداهية العظمى ... أن هذا الموضوع أضحى الشغل الشاغل لصناع المرشحين السياسيين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية" (عزوزي، 2012).

2- الواقع السياسي والاجتماعي: يُحتم الواقع السياسي والاجتماعي في بعض الدول على تشجيع تبني سياسة التعددية الثقافية، إذ أن المكونات الأساسية للمجتمع فيها متنوع تنوعًا يضع الحكومات بين خيارين: إما القبول بها كلها، وإما المواجهة والصراع بين تلك الفئات المتباينة.

ص. 41

وقد كان انهيار الاتحاد السوفيتي مثالًا حيًا لما يمكن أن يفعله التنوع من انقسامات كبيرة على مستوى بناء الدولة، فقد تفكك الاتحاد إلى دول قومية متباينة، كالسلاف والبلطيق والأتراك والقوقاز (تفكك الاتحاد السوفيتي، دت).

3- حقوق الإنسان والأقليات: تناولت كل الدساتير الحديثة، حقوق الإنسان، وصاغتها صياغات مختلفة وفقًا للظرف والمصلحة القائمة، وصولًا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948، والذي تضمن نصه ديباجة وثلاثين مادة، تتمحور حول تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وإيجاد التفاهم والتسامح والمساواة بين الأفراد باختلاف أصولهم الدينية والعرقية واللغوية، كما تقر حق الأفراد في المشاركة الفاعلة في المجتمع. (الأمم المتحدة، 1948).

وقد تضمن الإعلان السابق حق الأفراد في الانضمام إلى الجماعات، وممارسة كافة خصوصياتها الثقافية، ودعا إلى الاعتراف بثقافات تلك الجماعات وتأثيرها ومساهمتها في التقدم المعرفي، وهو ما دعا إليه إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، حيث أكد الإعلان على: "احترام وحماية المعارف التقليدية، وخاصة معارف الشعوب الأصلية؛ والاعتراف بمساهمة المعارف التقليدية، لا سيما في مجال حماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز التآزر بين العلوم الحديثة والمعارف المحلية" (اليونسكو، 2001).

4- حتمية التنوع والاختلاف والتمايز: وقد فرض هذا الأمر على الدول رفض سياسات التمييز العنصري، ونشر قيم التسامح وتقبل الآخر، كما أسهمت منظمة (اليونسكو) في النضال ضد التمييز ومكافحته من خلال مشروع: مناهضة العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب.

إن إدراك تلك الدول والمؤسسات لحتمية التنوع والاختلاف هو ما دفعها أيضًا إلى تبني سياسات واضحة للتعددية الثقافية بكافة أشكالها الاجتماعية والثقافية والسياسية، ويتجلى شيء من ذلك في النظم والسياسات المتبعة في كل من كندا وسويسرا على سبيل المثال.

ص. 42

5- التعايش السلمي: "شق مصطلح التعايش السلمي طريقه إلى مجموعة مصطلحات التاريخ المعاصر والعلاقات الدولية سنة 1946 في أثر الحرب العالمية الثانية، وكثيرًا ما كان رديفًا أو بديلًا عن مصطلح الحرب الباردة" (جويجاتي، دت)، وارتبط المصطلح فترة طويلة بالأفكار المتعلقة بالعلاقة بين قطبي الصراع في أواخر القرن العشرين، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، ويُعرّفه بدوي (1986) بأنه: "اتفاق دولتين أو أكثر على الامتناع عن الحرب لتفادي أخطارها، وبحث إمكانية التعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي بينها" (ص68)، ويُقصد به عمومًا: تعايش الجماعات والفئات المختلفة لونًا أو عرقًا أو دينًا أو ثقافة، في محيط واحد، دون أن يلغي أحدهم الآخر، ودون الإضرار به.

وقد أكدت منظمة (اليونسكو) على ضرورة تعايش أجيال الشعوب الحاضرة مع أجيال المستقبل، في ظل أجواء يسودها السلام والأمان واحترام حقوق الإنسان، وأن على الأجيال الحاضرة إبعاد أجيال المستقبل عن المعاناة الناجمة من الحروب، من خلال الحيلولة دون تعرضهم للأضرار الناجمة عن النزاعات المسلحة، ووضع الصيغ المناسبة التي تحد من استخدام الأسلحة ضد المبادئ الإنسانية (نصراوين، 1997، ص‌ص5-6).

وفي ضوء هذه الحركات والمفاهيم حديثة النشأة، ظهرت التعددية الثقافية كرد فعل لحركات وطلبات الأقليات المختلفة بحقوقهم، وكمفهوم نظري موجه سياسيًا واجتماعيًا في النصف الأخير من القرن العشرين (Bass, 2008, pp.133).

وقد تبنت مختلف السياسات الغربية مبادئ للتعددية الثقافية، يُحاول الفصل التالي عرضها بشيء من التفصيل، مع توضيح موقف الإسلام منها.

ص. 43