استندت التعددية الثقافية في الغرب على المستويين النظري والتطبيقي على عدد من المبادئ التي ساهمت في الصياغة الحالية للتعددية الثقافية، وإن كان يظهر جليًا الاهتمام نظريًا بالتعددية في الغرب؛ إلا أن ذلك لا يخفي غياب الجانب التطبيقي أو ضعفه، وهو الجانب الذي عني به الإسلام وأكد عليه.

ومن أهم المبادئ التي استندت إليها التعددية الثقافية في الغرب، وموقف الإسلام منها:

1- نسبية الحقيقة:

تستند معظم الدراسات الفلسفية الغربية الحديثة في نظرتها للحقيقة على أنها "لا توجد حقيقة مطلقة يمكن أن يُحكم بها على صحة أو بطلان الآراء، بل كل الحقائق نسبية حسب الظروف التي تنسب إليها" (خير، 2005، ص10)، فهي مرتبطة بالظروف، وتتعدد بتعددها، كما أنها ليست تصورًا كاملًا للأشياء، بل تصور جزئي عنها.

ويذهب البرجماتيون إلى ذلك أيضًا حيث يقررون أن "مقياس صحة الأفكار يتوقف على نتائجها، فهو بذلك يجعل الحقيقة نسبية غير ثابتة، أي تتغير وفقًا للظروف وأحوال الأفراد والمجتمعات" (عبدالمعطي وآخرون، 1987، ص424).

وهذه النظرة للحقيقة ليست وليدة الفكر المعاصر، بل هي موغلة في الفكر الفلسفي اليوناني عند السوفسطائيين، ويلخص بروتاغوراس كبير السوفسطائيين هذه النظرة في قوله: "إنّ الإنسان معيار أو مقياس الأشياء جميعًا" (الشنار، 1998، ص71).

ص. 44

وبحسب خير (2005) فإن "من نتائج القول بتعدد الحقيقة؛ القول بتعدد قيم الخير والشر" (ص10) ويشير إلى أن لهذا القول ثلاثة عناصر:

1- لا يوجد قاسم أو معيار مشترك لقبول تعريف للخير والشر دون آخر.

2- من الممكن أن تتعارض قيم الخير والشر ولا تتفق.

3- ليس هناك منهج علمي أو نظام معرفي يمكن له أن يزيل التعارض بين قيم الخير في مختلف الثقافات. (ص11).

وتلقى مثل هذه النظريات قبولًا متزايدًا في عدد من الأوساط والفئات التي تسعى إلى مواجهة احتكار الحقيقة أو استخدامها بطريقة انتهازية، إلا أنه وحتى أولئك المناهضين لمفهوم الحقيقة المطلقة والمنادون بتعددها؛ يحتكرون الحقيقة أيضًا.

وقضية النسبية في الحق أو في الأخلاق قضية فلسفية، "وفي بساطة نتساءل ما المقصود بأن الحقيقة نسبية؟ إذا كان المقصود أن معرفة الإنسان قاصرة وعمله قليل، وأنى له بالعقل الذي يدرك الأشياء إدراكًا شاملًا، فهذا ليس موضع اختلاف، والبشرية بما فيها من عجز وقصور مؤهلة لإدراك قدر من المعارف تكفيها لأداء مهامها في هذا الفترة القصيرة من عمرها على الأرض" (السليم، دت).

ويحلل السليم (دت) هذا القول، فيقول:

ص. 45

إذا كان المقصود أن الإنسان لا يصل إلى حقيقة، وكل ما عنده من حقائق لا يمكن القطع والجزم بها، ولا يمكن الاتفاق حولها، فأول ما يواجه هذا القول من نقد أن يُسأل: ما الدليل على أن هذا القول صادق؟ فإذا قُدمت الأدلة على صدقه وأثبتت أنه حقيقة، فهو اعتراف بأن لدينا على الأقل حقيقة نطمئن إليها، وهو اعتراف ينقض ما قُدمت الأدلة لإثباته، وإذا كان القول بأن الحقيقة نسبية أمر نسبي أيضًا ولا يمكن القطع والجزم به، فكيف يؤخذ به؟ ثم كيف يفسر من يقول إن الحقيقة نسبية ذلك القدر المشترك من الحقائق بين أفراد النوع البشري على اختلاف بيئاتهم وظروفهم وعصورهم؟!.

ويرى الباحث أن الإسلام ينظر إلى الحقيقة باعتبارها قسمين:

1- حقائق شرعية (توقيفية): وهي ما جاءت به النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية على تأكيدها وإقرارها، ووافقها العقل السليم، فهذه حقائق مصدرها رباني، كأصل الوجود والخلق والإنسان والعقيدة وما هو معروف من الدين بالضرورة كأركان الإسلام والإيمان والإحسان.

وهذه الحقائق مطلقة ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل، لا باختلاف الناس ولا باختلاف الزمان والمكان، ولو كانت مختلفة أو متعددة لفسد هذا الكون، بل انتفى وجود الحقيقة نفسها، يقول تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون:70-71)، أي: "فلو كانت الأمور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحق، لم تقر السماوات والأرض ومن فيهن من خلق الله، لأن ذلك قام بالحق" (الطبري، 2001، ج17، ص88)، وقال البغوي (1997): "(بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) يعني بالصدق والقول الذي لا تخفى صحته وحسنه على عاقل" (ج5، ص424).

فأصل الحق كله هو حقيقة وجود الخالق سبحانه وتعالى، متصفًا بصفات الكمال، منزهًا عن كل عيب ونقص، فالله سبحانه وتعالى هو الحق المطلق، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (لقمان:30)، "أي: الموجود الحق، الإله الحق" (ابن كثير، 2000، ج11، ص79)، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون:116)، أي "فكونه ملكًا للخلق كلهم حقًا، في صدقه، ووعده، ووعيده، مألوهًا معبودًا، لما له من الكمال" (السعدي، 202، ص560)، وقال تعالى عن نفسه: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ (يونس:32)، قال الشوكاني (2007):

ص. 46

(فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق) أي: فذلكم الذي يفعل هذه الأفعال هو ربكم المتصف بأنه الحق، لا ما جعلتموهم شركاء له، والاستفهام في قوله: (فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال) للتقريع والتوبيخ، إن كانت ما استفهامية، لا إن كانت نافية كما يحتمله الكلام، والمعنى: أيّ شيء بعد الحق إلا الضلال، فإن ثبوت ربوبية الربّ سبحانه حق بإقرارهم، فكان غيره باطلًا، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحدًا في ذاته وصفاته (ص623).

ويدخل في هذه الحقيقة الشرعية أيضًا، الأنبياء والرسل، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل الله من الكتب، ووعده ووعيده، وجنته وناره، وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تهجد من الليل قال: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت" (البخاري، 2002، رقم الحديث:7499، ص1850).

فالإسلام هو الدين الحق: قال تعال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (محمد:2)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح:28).

والرسل الذين أرسلهم الله إلى أقوامهم ليهدوهم إلى عبادة الله وحده حق، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف:120).

ص. 47

والقرآن الكريم حق، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (السجدة:2-3)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص:53).

والبعث ويوم القيامة حق: قال تعالى:﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ (النبأ:39).

ووعد الله ووعيده حق، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (النور:25)، قال الزحيلي (2009): "أي في ذلك اليوم يوفيهم الله حسابهم أو جزاءهم على أعمالهم، ويعلمون أن وعد الله ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه" (ج9، ص528).

فكل ما جاءت به الشريعة الإسلامية من العبادات والتشريعات الثابتة المحكمة أو الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل ولا الحواس، هي حقائق شرعية تستلزم الإيمان بها وتطبيقها والدعوة إليها وتحصيلها.

2- حقائق ناشئة (توفيقية)، ويُقصد بها تلك الحقائق المكتسبة من تفاعل الإنسان مع ما حوله من الطبيعة أو المعارف، وهي بلا شك حقيقة واحدة ولكن إدراك الناس لها يختلف باختلاف أفكارهم وطرقهم وأدواتهم وفهمهم، فهذه حقائق مصدرها إنساني اجتهادي، ولكن الحقائق فيها مطلقة في ذاتها، نسبية في إدراك الناس بها.

وأعلى ذلك ما يحصل في تفسير النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، من الأمور الظنية القابلة للاجتهاد، فالخلاف فيها مسوغ إذا كان اختلاف توافق وتنوع لا اختلاف تضاد، وإلا فإنه ينبغي الرجوع إلى الحق الذي تسنده النصوص الشرعية وفق منهج السلف الصالح، فالصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في فهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف عديدة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرد منا ذلك. فذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدًا منهم" (البخاري، 2002، رقم الحديث:4119، ص1011).

ص. 48

وأصل الاجتهاد في مسائل الفقه قائم على الصواب والخطأ في الوصول إلى الحق الواحد الثابت، فما وافق الحق فهو صواب، وما خالفه فهو خطأ، ولا يُعنّف صاحبه، بل له أجر الاجتهاد، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (البخاري، 2002، رقم الحديث:7352، ص1814).

وأما في المسائل الكونية والعلوم التجريبية وغيرها، مما ليس فيه نص شرعي ثابت محكم، فالحقيقة فيها واحدة أيضًا، وتختلف إدراك الناس لها ومعرفتهم بها، بقدر ما يملكون من الأدوات والقدرة على استجلائها، وبقدر ما تمكنه عقولهم من إدراكها، والأصل فيها هو التفكر وإعمال العقل، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (العنكبوت:20)، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:185)، وقال أيضًا: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس:101)، فالآيات صريحة في وجوب التفكر والتدبر، والاستدلال بها على الحقائق والوصول إليها، ولأنه لا يمكن الجزم بالوصول إلى الحقيقة المطلقة في الأمور التجريبية والفكرية؛ فإن الإنسان مأمور بالعمل دائمًا على إعمال العقل والبحث عن الحكمة والحقيقة فيها، فهي وإن كانت مطلقة الذات إلا أن إدراكنا النسبي لها هو دعوة للاستمرار والبحث والتقصي.

2- الحرية:

كان موضوع الحرية أحد المواضيع التي شغلت المفكرين الغربيين قديمًا وحديثًا، والانشغال بهذا الموضوع ممتد جذوره من الفلسفة اليونانية، وشامل لجوانب عدة، سياسية واقتصادية ودينية وغيرها.

ص. 49

ويأتي في مقدمة المشتغلين بذلك: جون لوك، والذي كتب في كل مجالات الحرية السابقة، ويمكن إجمال المبادئ التي توصل إليها لوك (1959) ودعا إليها في الآتي:

1- البشر جميعًا أحرار ومتساوون في حقهم في الحرية.

2- الحقوق الطبيعية ليست منحة من أحد وإنما هي من خصائص الذات البشرية.

3- الناس متساوون في الحقوق والواجبات.

4- السلطة السياسية تنشأ على أساس التعاقد الاجتماعي المبني على التراضي بين طرفي العقد. (ص142).

وأكد مل (1946) على هذه المبادئ، كما أكد على أن الحرية البشرية ينبغي أن تتضمن حرية الضمير والفكر والحرية المطلقة للرأي، وكذلك حرية السعي خلف الأهداف والرغبات التي تتناسب مع الطباع، وكذلك حرية العمل وحرية اجتماع الأفراد ببعضهم (ص33)، ويرفض أيضًا مبدأ التحكم في معاملات المجتمع عن طريق القهر والسيطرة، ويسميها: طغيان الأغلبية، إذ يقول: "الغاية الوحيدة التي تسوغ للناس أفرادًا أو جماعات التدخل في حرية الفعل لأي عضو هي: حماية أنفسهم منه، وذلك بمعنى أن الغرض الوحيد الذي تستخدم فيه السلطة بطريقة مشروعة ضد الفرد، هو منعه من الإضرار بالآخرين أو إيذاء غيره" (ص127).

وقد تمحورت الدراسات والتوجهات الفكرية فيما بعد حول تلك النقاط التي أوردها كل من جون ستيوارت مل وجون لوك، مشكّلة الإطار العام لمفهوم الحرية في المجتمع الغربي القائم على الليبرالية.

ص. 50

وقد تصدى عددٌ من الفلاسفة الأوربيين للمفهوم الليبرالي للحرية ذاته بالنقد من زوايا مختلفة منهم كارل ماركس وهيجل وفردريك نيتشه وفوكو وغيرهم. غير أنه يجب ملاحظة الخلل الكامن في الأساس الفكري للحرية، أي الليبرالية كمنهج والقائل بأن مصلحة المجتمع ككل ستتحقق حتمًا من خلال محاولة كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة، أي دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع. وهذا ما أثبت واقع المجتمعات الأوربية خطأه (خليل، دت).

فمثلًا هيجل يرى أن الحرية ليست مجرد شعارٍ يُرفع أمام الممكنات الاجتماعية، "بل يجب أن تتحقق عبر استيعابها لهذه الممكنات، والممكنات الاجتماعية تقضي بأن قدرة الإنسان على العيش حياة تتسم بالحرية مرتبطة بالجماعة السكانية التي ينتمي إليها" (صافي، 2004)، فهيجل يؤسس للحرية الجماعية كمدخل لحرية الفرد نفسه، لكن هيجل لم يتوقف عند الجماعة، بل توسع ليؤكد أن الانتماء للدولة هو ما يمد الفرد حقيقته واستقلاليته.

أما في الإسلام، فإن الإنسان خُلق حرًا، والناس كلهم أحرار، ليسوا بعبيد لأحد، وإنما هم عبيد لمن خلقهم، وهو الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (الزمر:16)، وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: "أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتًا فهو أحق بها، جاءنا بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين جاءوا بالصلوات عنه" (أبو داود، 1424، رقم الحديث:3076، ص553)، وقال عمر رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا" (ابن الجوزي، دت، ص97)، فإذا أصبح الإنسان مكرهًا مجبرًا فاقدًا للإرادة، أُعفي من المسائلة والمحاسبة، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (ابن ماجة، دت، رقم الحديث:2043، ص659).

ص. 51

والحرية منحة من عند الله عز وجل للإنسان يتصرف كما يريد في حدود المباحات، فيأكل ما يريد، ويلبس ما يريد، ويتنقل ويمتهن ويعمل كيفما يريد، وكذلك يرتبط بمن يشاء، فيتزوج من يريد ويصادق من يريد، فالإسلام أقر كل تلك الحريات من أجل العيش الكريم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:32)، قال القرطبي (2003): "ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصة يوم القيامة" (ج7، ص199).

وهذه الحرية لله عز وجل وحده هي من تحرر الإنسان من العبودية للبشر أو الأنظمة أو القوانين الوضعية الجائرة، وكذلك تحرره من الأفكار المقولبة والجاهزة، والتي تضع قيودًا معنوية أشد من القيود الحقيقية التي تكبل الإنسان وتقيده في بوتقة واحدة، ولا حدود لحرية الإنسان إلا تلك الحدود التي حدها الإسلام، حفظًا له ولغيره، وتحقيقًا للمصلحة العامة والخاصة، وفي مسار متوازن تصون كرامته وتحفظ حقوقه.

وكما أقر الإسلام للإنسان حريته، فهو لم يكرهه على الدخول في الإسلام واعتناقه، بل أقر له البقاء على دينه مع ضرورة تنبيهه إلى عاقبة ذلك من الوعيد الشديد والعقاب الأخروي، وإلى ضرورة القيام بما يمليه هذا القرار من التبعات والمسئوليات، كدفع الجزية وعدم الدعوة إلى دينه وغيرها، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة:256)، "أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّن واضح جلي، دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا" (ابن كثير، 2000، ج2، ص444).

ص. 52

كما أمّن الإسلام للمسلمين حرية العبادة، لا بمعنى أنه يحق لهم ترك الواجبات أو فعل المحرمات، وإنما الالتزام بذلك مع فعل ما يستطيعونه من المستحبات وترك المكروهات، وهم مأمورون بالمسارعة في الخيرات، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:148)، وكثرة المستحبات والسنن تتجاوز قدرة الإنسان على الإتيان بها جميعًا، بل له حدود وقدرة واستطاعة تتوقف عليها محاسبته ومسائلته، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن:16)، "أي: جهدكم وطاقتكم" (ابن كثير، 2000، ج14، ص24)، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (البخاري، 2002، رقم الحديث:7288، ص1800).

فالإنسان لا يدرك ولا يطيق فعل كل المستحبات وترك كل المكروهات، بل وفي العبادات المشروعة فإنه يميل إلى بعضها ويستحسنها، ويألف فعلها دون كبير عناء أو مشقة، "فقد كانت أحوال المتعبدين من السلف مختلفة، فمنهم من كان يغلب عليه حالة التلاوة، حتى يختم في يوم ختمة، أو ختمتين، أو ثلاثًا، وكان فيهم من يكثر التسبيح، ومنهم من يكثر الصلاة، ومنهم من يكثر الطواف بالبيت" (المقدسي، 1998، ص66).

والإسلام لا يفرض على الإنسان نمط تفكير محدد أو يمنعه من منحة ساقها الله إليه، وميّزه بها عن ما سواه، فمنح الإنسان حرية التفكير، بل دعاه إلى تحرير عقله وفكره من موروثات قديمة قائمة على اتباع الآباء في عبادة غير الله عز وجل، ولا أدل على هذه الحرية الفكرية من الاختلاف الفقهي والمذهبي الناشئ من اختلاف العلماء في قدرتهم على فهم النص الشرعي وتحليله، لكن الإسلام يصون العقل ويحميه من أن يجادل فيما ليس له به علم، أو لا تصل قدرته إلى اكتشافها وإدراكها، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله عز وجل. فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الله؟ فإذا أحس أحدكم بشيء من ذلك فليقل: آمنت بالله وبرسله" (ابن حنبل، 1997، رقم الحديث:8376، ص110).

ص. 53

3- العدالة:

أحدث كتاب جون رولز (نظرية في العدالة) تأثيرًا كبيرًا في الفكر الليبرالي الحديث، وذلك من خلال تصديه لواحدة من أعقد المشكلات التي تواجهها الليبرالية الحديثة، وعند رولز تقوم مبادئ العدالة التي يحصل الإجماع عليها، على مبدأين أساسيين:

1- أن لكل فرد الحق في التمتع بالحد الأقصى من الحرية على أن يقر للآخرين بحق مماثل.

2- العدالة التوزيعية، بمعنى أن اللامساواة بين أعضاء المجتمع غير مقبولة إلا في حال كانت لصالح الأقل حظًا. (أبو حلاوة، دت، ص51).

ويظهر أن سعي المفكرين الغربيين لتحديد مفهوم العدالة يصطدم بعقبة التقسيم العادل للثروات، أو العدالة الاقتصادية، لكن العقبة الكبرى هي رؤية بعض المفكرين الذين يرون أن الجمع بين العدالة والحرية ضرب من الخيال، خصوصًا وأن الحرية لا تجد ضابطًا حقيقيًا في التنظير الغربي، حيث يرون أن: "الحرية والمساواة، العفوية والأمن، السعادة والمعرفة، الرحمة والعدالة، قيم عليا، على الإنسان أن يبحث عنها كل واحدة على حدة، مستقلة بعضها عن بعض، إذ لا يمكن إشباعها جميعها في الوقت نفسه، بل لا بد من الاختيار" (صادقي، دت).

وقد لخص رولز كل محاولات المفكرين الغربيين ونظرياتهم حول مفهوم العدالة في كلمة واحدة: (إنصاف) بحكم اسم كتابه (العدالة بصفتها إنصافًا)، ليقدم الصورة الحقيقية لمجمل تلك الأفكار والدراسات حول العدالة، والتي تقلصت إلى أن تكون مجرد اكتفاء بضبط القيم الإجرائية داخل الدولة (ولد أباه، 2008).

ص. 54

أما في الإسلام، فإن العدل هو أحد القيم الأساسية التي جاء بها، وأكدها وحث عليها، وحذر من نقيضها.

والإسلام في ذلك هو امتداد لما سبقه من الرسالات، فكلها قامت على العدل والقسط، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد:25)، أي: "وأنزلنا معهم الميزان، أي العدل في الأحكام، أي أمرناهم به، ليتبع الناس ما أمروا به من الحق والعدل، وتقوم حياتهم عليه، فيتعاملوا بينهم بالإنصاف في جميع أمورهم الدينية والدنيوية، فهم الحراس على تنفيذ الأحكام واحترام الشرائع واتباع الرسل" (الزحيلي، 2009، ج14، ص358)، وقال ابن كثير (2000): "(وَالْمِيزَانَ) وهو: العدل. قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما. وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة" (ج13، ص432)، وقال الطبري (2001): "الميزان: ما يعمل الناس، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي" (ج22، ص424).

ويمكن تعريف العدل بأنه: "مصدر بمعنى العدالة، وهو: الاعتدال والاستقامة، وهو الميل إلى الحق" (الجرجاني، 1985، ص152)، وفي معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية: "العدل هو ما يطابق الحق، ويتنزه عن التحييز بإعطاء كل ذي حق حقه، ويهتدي به القضاة في أحكامهم" (بدوي، 1986، ص232).

ص. 55

والعدل في الإسلام لا يختص بقوم دون قوم أو دين دون دين، ولا يُـمنح بما يُقابل به سواء كان عدلًا أو ظلمًا، وإنما يُـمنح ابتداءً، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:8)، أي: "فقوموا بحقه، واشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم، وحيف على أعدائكم. (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق" (القرطبي، 2003، ج6، ص109). فلا يمنع صاحب الحق من العدل مع ظالمه، وإن أصابه منه ما أصابه، والحق والعدل أولى بالاتباع فيما أحب الإنسان وكره، ومع من وافقه في المعتقد والدين أو خالفهم فيه.

ويقدم لنا الإسلام صورًا كثيرة في إقامة العدل وإقراره، وكيف أن حكم الإسلام نافذ بالعدل في كل أمر، دون أي اعتبار لجنس أو لون أو دين أو معتقد، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما تشفّع للمرأة المخزومية التي سرقت: "أتشفع في حد من حدود الله"، ثم قام فاختطب ثم قال: "إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (البخاري، 2002، رقم الحديث:3475، ص861)، فلا فرق بين الغني والفقير، ولا الشريف ولا البسيط من الناس، كلهم أمام ميزان الحق سواء.

والعدل في الإسلام لا يرتبط بجهة أو مؤسسة أو هيئة تنفيذية، بل يرتبط بالإنسان نفسه كقيمة أخلاقية ومبدأ ينبغي أن يلتزم به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء:135)، قال ابن كثير (2000): "يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، أن لا يأخذهم في الحق لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه" (ج4، ص309)، وقال أيضًا في تفسير الآية:

ص. 56

(وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه؛ وإن كان مضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه. وقوله: (أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها؛ بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم؛ فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد. وقوله: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) أي: لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم، على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال (ج4، ص‌ص309-310).

فالآية تقرر أن العدل ليس مجرد قيمة اجتماعية، أو يختص بقوم دون آخرين، بل هو خلق أصيل ينبغي أن يلتزم به الإنسان، حتى في تعامله مع نفسه فضلًا عن والديه وأقاربه، ليس للكراهية أو العصبية أو البغض أو لأحوال الناس فيها اعتبار أو تأثير، ويعضد هذا المعنى ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: "تصدق علَي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عَمْرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعلت بولدك هذا كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم. فرجع أبي فرد تلك الصدقة" (النيسابوري، دت، ج3، رقم الحديث:1623، ص1242).

ثم يتجاوز الإسلام الإنسان الفرد إلى تقرير العدل وإلزامه في الحكم والقضاء بين الخلق، ليقرر نظام حكم عادل يقوم عليه، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء:58)، "وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق" (القرطبي، 2003، ج5، ص258)، وقد أجمل الزحيلي (2009) القول في كل جوانب العدل التي جاءت في الآية الكريمة، فيقول:

ص. 57

والعدل: أساس الملك، وأمر تقتضيه الحضارة والعمران والتقدم، وتشيد به كل العقول، وأصل من أصول الحكم في الإسلام، ولا بد للمجتمع منه حتى يأخذ الضعيف حقه، ولا يبغي القوي على الضعيف، ويستتب الأمن والنظام، وأجمعت الشرائع السماوية على وجوب إقامة العدل، فعلى الحاكم وأتباعه من الولاة والموظفين والقضاة التزام العدل، حتى تصل الحقوق لأهلها، وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالعدل، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل:90) (ج3، ص130).

إن قيمة العدل تفترض العدالة المطلقة، إذ أن ضمان الفرد لحقه في التملك والعيش الرغيد والكسب الحلال دون تضييق أو تعدٍ أو تمييز، هو ما جاء به مفهوم العدل، بدون أي تمييز أو عنصرية أو تعصب. وتحدد العدالة صيغة تعايش الإنسان وتواجده في مجتمعه بضرورة التمكن من الحصول على فرص مساوية لغيره، فالعدالة هي: "تعاون الأفراد في مجتمع متحد، يحصل فيه كل عضو على فرصة متساوية وفعلية، لكي ينمو ويتعلم لأقصى ما تتيحه له قدراته" (بدوي، 1986، ص389)، وإقامة العدل بصورته الحقيقية التي جاء بها الإسلام يحقق معانٍ وقيمًا لا يمكن أن تتحقق في ظل وجود أنظمة وقوانين وضعية، كالتكافؤ والإنصاف مثلًا.

ص. 58