لا يمكن للتعددية الثقافية أن تحقق نجاحًا مطلقًا بأسسها ومبادئها الحالية، إذا أن أكبر عقبة تواجهها هي الاختلاف العميق في الأسباب الداعية إلى تبني التعددية الثقافية، فكل دولة لها أسباب ومبررات، وتحتوي على فئات تختلف عن الدولة الأخرى، كما أن حاجات ومطالب الأقليات وتلك الفئات ليست موحدة أو ذات صبغة واحدة، بل متباينة أيضًا.

ويظهر هذا التباين في التطبيق في عدد من النماذج المطبقة في بعض الدول، ككندا وسويسرا وأستراليا وفرنسا، فكندا تنادي وتفتخر بالتعددية الثقافية، والتي دخلت حيز التنفيذ بموجب قانون صدر في عام 1988، وينص القانون على أن الدستور لا يستثني أي شخص ويطبق على جميع الكنديين دون استثناء، كما أن لجميع الكنديين الحق في الاستفادة من هذا القانون ومن الحماية التي يوفرها لهم دون تمييز، وهذا يتضمن الحق بحرية التفكير والمعتقد والدين والاجتماع السلمي والانتساب للجمعيات، كما يعترف القانون بحقوق السكان الأصليين (التعددية الثقافية في كندا، 2012).

وقد صاغ الساسة في كندا نظم البلاد على أساس قائم على التعددية والقبول بكل أشكال التنوع، "ويكمن الفرق بين هذه الدول التعددية والنظم الجمهورية الأخرى، في أن نموذج التعددية الثقافية يعطي أولوية للتنوع، في حين تقوم النظم الجمهورية الأخرى بتهميش الفوارق العرقية، وإعطاء الأولوية لما يمكن تسميته بالثقافة المؤسِّسة (أي ثقافة المجتمع الأصلي أو ثقافة الأغلبية)" (بن جماعة، 2010).

ص. 59

وبرغم تركيز كندا على محاولة استيعاب كل الأطياف الممكنة من المهاجرين والقادمين إليها، إلا أنها تأخذ في اعتبارها بعض المعطيات كنزعة الكيبكيين إلى الانفصال، فتوجه نداءً إلى المهاجرين عبر وزير الثقافة ماكا كوتو، إذ يقول: "إن التنوع الثقافي هو جل ما نتمناه وهو هنا لإثراء المجتمع الكيبكي غير أننا لا نشجع المهاجرين أن يبقوا على حدة أو منعزلين بل أن ينضموا إلى الأمة الكيبكية أو الشعب الكيبكي" (التعددية الثقافية في كندا، 2012).

أما سويسرا فهي تنتهج نظامًا اتحاديًا فيدراليًا، "والفيدرالية الحالية تجمع 26 كانتونًا، لكل كانتون دستوره وحكومته وبرلمانه ومحاكمه وقوانينه، التي تتوافق مع القوانين الفيدرالية للدولة، وتتميز سويسرا بالتعددية الثقافية، فهي تشكيلة من شعوب صغيرة، ولغات، وديانات، وعقليات، وعادات مختلفة" (مفكرة الإسلام، 2005).

ولا تتدخل الحكومة الاتحادية الفيدرالية في الشئون الداخلية للولايات، وتجعل الأمن والسلم الاجتماعي في رأس الأولويات، وهو ما تؤكده أيضًا القرارات القضائية، حيث تؤكد على أنه "إذا تعارضت الحرية الفردية مع الأمن والسلم الاجتماعيين فيجب تقييد الحرية الفردية لمصلحة الأمن والسلم الاجتماعيين" (الأمجد، 2009)، كما أنه ولتنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات فقد تكفلت السلطات الاتحادية بوضع تَعرِفة خارجية مشتركة للولايات، "وضمنت الجنسية السويسرية حرية تنقل الأشخاص، وحصلت السلطات الاتحادية -علاوة على امتيازاتها في الشؤون الخارجية والعسكرية والنقدية- على صلاحية توحيد الأوزان والمقاييس وإقامة بنى تحتية وطنية، ومقابل هذه التحفظات، احتفظت الكانتونات بصلاحيات حاسمة في مجال التشريع، في الشؤون المدنية، الجزائية، التجارية، والاجتماعية، وكذلك فيما يتعلق بمهام الشرطة، والعدلية أو التربية" (الأمجد، 2009).

ورغم ذلك، تعاني كثير من دول أوروبا وكندا مشكلة فيما يتعلق بقضايا الحقوق والحريات والبنية الثقافية للدولة، بينما في أمريكا تشكل فئات أخرى كالأمريكيين الأفارقة والسكان الأصليين؛ مشكلة مغايرة بعض الشيء.

ص. 60

فمنذ أواخر السبعينات من القرن العشرين وفي أمريكا تحديدًا، اتجه بعض منظري العلوم التربوية إلى ضرورة تبني إسهامات الشعوب غير الأوروبية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، ثم توسع هذا التوجه ليشمل القيام بتغيير المناهج الدراسية لكي تعكس تنوع المجتمع الأمريكي، في سبيل توسيع نطاق الهوية الأمريكية.

ولذلك، فإن أمريكا تسودها وحدة فكرية علمانية موحدة، ومعيار علماني عقلاني مادي واحد، وهذه الوحدة تشترط التخلي عن الخصوصية الدينية والإثنية من أجل زيادة فرص الحراك الاجتماعي، وهذا وإن كان يُظهر تنوعًا سطحيًا، إلا أن تأثير بوتقة الصهر تُنسي عديد الفئات والأقليات تاريخها وتراثها وهويتها (المسيري، 2007).

ولأن السود لا يستطيعون التخلي عن لونهم، كما أن اليهود ملتزمون تمامًا بهويتهم اليهودية، وبسبب تأثير الجماعات المهاجرة خصوصًا من الصين وأمريكا الجنوبية؛ فإن سياسة الصهر تراجعت لتفسح المجال لسياسة أخرى لا تقل أحادية عن سابقتها، "إذ إنه أصبح من الممكن الاحتفاظ بالميراث الإثني أو حتى الديني القديم في الحياة الخاصة طالما أن هذا لا يتعارض مع مقدرة الشخص على الأداء الكفء في الحياة العامة أو مع المنطلقات العامة للجميع، بل ويمكن الاحتفاظ بالهويات الإثنية والدينية في الحياة العامة طالما أن ذلك لا يتعارض مع الولاء الأساسي للدولة (ذلك المطلق الذي يلتف حوله العلمانيون)" (المسيري، 2007).

أما في أوروبا، فقد تراجع خيار التعددية الثقافية مؤخرًا، وذلك من أجل تعزيز الثقافة الأساسية للدولة فمثلًا "تُستخدم في فرنسا عبارة (الفرنسة)، وفي ألمانيا (الجرمنة)، وفي بريطانيا (البرنطة) بمعنى الحرص على ولاء الجماعات الثقافية المختلفة للأمة البريطانية" (التعددية الثقافية في مهب السياسة، 2011)، بينما اتجهت فرنسا إلى إنشاء وزارة للهوية تُعنى بصون الثقافة الفرنسية وتحرص على أن تكون عمادًا للهوية الفرنسية.

ص. 61

وترى بعض الأوساط البريطانية المعادية للأحادية الأخلاقية أن الجهات الرسمية تستخدم التعددية الثقافية كـ "شعار لفظي يُخفي ممارسات التمييز العنصري بكافة أشكاله، سواء في التعليم أم في السكن أم في العمل" (التعددية الثقافية في مهب السياسة، 2011).

كما حذر رئيس لجنة المساواة العرقية في بريطانيا تريفور فيليبس من ازدياد الانفصال بين الفئات العرقية المختلفة في بريطانيا، وأكد على أن بعض المناطق في بريطانيا آخذة في التحول إلى مناطق منعزلة. (عبدالباقي، 2009).

وقد تعاقب كل من أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا، ورئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون، ثم الرئيس الفرنسي نقولا ساركوزي؛ ليعلنوا للملأ تخليهم عن سياسة التعددية الثقافية كعقيدة للقارة الأوروبية، إذ صرحت أنجيلا ميركل في أكتوبر 2010 بقولها: "إن مقولة التعدّد الثقافي التي بموجبها نعيش هكذا ببساطة بعضنا إلى جانب بعض، ونحترم بعضنا بعضًا، باءت بفشل ذريع"، ثم صرّح ديفيد كاميرون رئيس الحكومة البريطانية، في فبراير 2011، بقوله: "بمقولة تعدّدية ثقافة الدولة شجَّعنا ثقافات مختلفة على أن يعيش كل منها حياةً منفصلةً، معزولةً عن باقي الثقافات وخارج السياق الثقافي الأساس. لم يتمكن أيّ من هذه الثقافات من تقديم رؤية للمجتمع الذي ترغب في الانتماء إليه" (التعددية الثقافية في مهب السياسة، 2011).

كما صرّح الرئيس الفرنسي نقولا ساركوزي في فبراير 2011 كذلك، بقوله: "التعدّدية الثقافية إخفاق تام. الحق، أننا في ديمقراطياتنا كافة، انشغلنا كثيرًا بهوية القادم إلى بلادنا، ولم ننشغل بما فيه الكفاية بهوية بلادنا بالذات"، ويذهب الرئيس الفرنسي أبعد من ذلك فيقول في شرحه لموقفه من التعددية الثقافية، بأنه "على أي قادم أو قادمة إلى فرنسا "الذوبان" في المجتمع الموحد، إذا رفض ذلك فهو ليس مرحبًا به في فرنسا" (الصلح، 2011).

ص. 62

ولم يقتصر الأمر على هذه الدول، بل لا تزال تظهر في عديد دول أوروبا صورًا من الممارسات العنصرية التي لا تتوافق مع روح التعددية وقيمها التي يُنادى بها، ففي فنلندا مثلًا يقوم حزب الفنلنديين الحقيقيين وبمآزرة الآلة الإعلامية بدور في رفع وتيرة مثل هذه الممارسات، كما تشترك الأحزاب في إظهار قلقها من انتشار الإسلام، ناهيك عن التقارير الأمنية التي تشير إلى ارتفاع جرائم الكراهية الدينية (الألوكة، 2011)، بل "واتخذت البلدان الأوروبية إجراءات لعرقلة الهجرة المتسارعة من دول العالم النامي، وارتفعت أسهم الأحزاب والاتجاهات اليمينية المحافظة التي حملت المهاجريين والطوائف الثقافية المغايرة مسئولية التدهور الاقتصادي وتراجع معدلات النمو، والجريمة المنظمة" (السبع، 2011)، وقد ظهرت آثار تلك الدعوات والحملات على الواقع المعاش من خلال استصدار قوانين مثل: حظر بناء المآذن في سويسرا، وحظر النقاب في الأماكن العامة بفرنسا وبلجيكا.

وهذه التوجهات الرسمية والمؤسساتية للدول الغربية لم تكن وليدة اللحظة أو أمرًا مفاجئًا أو خارجًا عن السياق الحقيقي والفعلي لما يدور على أرض الواقع، وبعيدًا عن الشعارات والمزايدات والشكليات؛ فإن سياسة التعددية الثقافية في الغرب لم تتجاوز يومًا حدود الوطن نفسه، بل حتى داخله كانت دائمًا ناقصة أو تستخدم كغطاء لسياسات الدمج القسري.

ويرى عدد كبير من السوسيولوجيين الأوروبيين أن سياسة التعدّد الثقافي في أوروبا لم تتحوّل إلى واقع قائم بل بقيت صورة شكلية. فقد آلت مسألة التعدّد الثقافي إلى اعتراف شكلاني لفظي بالتعدّد الثقافي وسلوك فعلي بالتمييز الثقافي القائم على المركزية الثقافية. لذا، لا بدّ من التمييز بين مسار سياسة الدمج القسري التي استخدمتها الحكومات الأوروبية وسلوك الأوروبيين العفوي في التعامل مع المهاجرين (التعددية الثقافية في مهب السياسة، 2011).

ص. 63

وبحسب أوغلو (2005) فإن عددًا من الأحداث وبالأخص أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أدت إلى تراجع الغرب عن القيم التي جنى من خلالها الكثير من المكاسب، ويشير إلى أنه يعتقد أن "أكبر خطوة ألقاها الغرب إلى الوراء تتمثل في تخليه عن القيم التي أطلق عليها اسم التعددية الثقافية والتنوع الثقافي".

الليبرالية التي ساهمت بشكل فاعل في بناء الدولة الحديثة؛ خالفت مبادئها القائمة على الحرية والعدالة، حيث ساهمت في ترسيخ هيمنة الأكثرية واستحواذها على الدولة، مدفوعة برغبتها في المحافظة على هويتها الثقافية، ونزوعها إلى الرغبة في الاستمرار.

ويُنشِئ هذا الوضع رغبة الفئات والجماعات الثقافية الأخرى الاستحواذ على الدولة وإصباغها صبغتها الثقافية، وإدارة عمليات الإنتاج والتوزيع.

ويرى مجيد (2010) "أن مشروع بناء الدولة-الأمة في الوقت الذي يستهدف فيه بناء أمة ما، فإنه يهدف في عين الوقت إلى هدم أمة أخرى أو ربما أمم أخرى، لأن السياسات المعتمدة في هذا المشروع تصب نظريًا وعمليًا في خدمة هوية جامعة تتمثل في ثقافة الأكثرية المهيمنة" (ص99).

ويتضح مما سبق، أن ثمة تباينًا كبيرًا لدى الغرب في نظرته للتعددية الثقافية كمفهوم، وفي موقفه منها كممارسة.

وبمعنى آخر، فإنه برغم إعلان فشل سياسة التعددية الثقافية من قبل رؤساء كبار الدول الغربية، إلا أن واقعية التعددية الثقافية لا تزال موجودة داخل تلك الدول، هذا الواقع ليس هو الواقع المفترض أو المثالي للتعددية الثقافية ولا للتعايش السلمي بين الجماعات والفئات، لكنه كان كافيًا بدرجة كبيرة للأهداف التي قامت من أجلها الدولة القومية في بسط سيادتها على الأطراف والفئات والجماعات المتمايزة.

ص. 64

وهذا ليس ضمانًا كافيًا لتلك الدول على إمكانية الاستمرار في تلك السياسات، بل أن إرهاصات عديد من الأحداث حول العالم تظهر شيئًا فشيئًا هشاشة هذا البناء، وهو ما دعا رؤساء تلك الدول إلى تبني سياسات أخرى من أجل الحفاظ على الوحدة القومية لكل دولة، وإلى إعلان فشل سياسات التعددية الثقافية في استيعاب كل تلك المكونات الثقافية.

وبرغم اضطراب الفكر الليبرالي في تنظير قيم أساسية مهمة لتحقيق تعددية حقيقية كالعدالة والحرية، فإن الفارق كان كبيرًا بين التنظير والتطبيق، وهو ما زاد من الهوة بين الثقافات.

هذه الهوة لا تظهر بوضوح في الوضع الطبيعي، أي في الحياة العامة الطبيعية، ولكنها تظهر وبقوة في الأحداث السياسية والاجتماعية، وبشكل أكبر في الأحداث الدموية والعنيفة.

ففي الحياة الاعتيادية تغطي القيم الإنسانية المشتركة وهموم العمل والكسب على كثير من الأنماط والموروثات الثقافية، والتي تُستدعى إلى الواجهة في اللحظات الحرجة والصعبة، لتُظهر تمايز وتباين تلك الثقافات واختلافها في نظرتها وقيمها وموروثاتها.

لقد سادت التعددية الثقافية في الغرب كمفهوم، لكنها غابت كواقع حقيقي ممارس على الأرض لأسباب عدة يوضحها العنصر التالي.

- أسباب فشل سياسات التعددية الثقافية في الغرب

تقتصر معالجة الدول الغربية لموضوع التعددية الثقافية في تأطيرها داخل الدولة والوطن، ومن أجل الدولة والوطن، ولكنها تتجاهل أو يقِل اهتمامها بهذا الموضوع في تعاملها مع التنوع الثقافي خارجه.

ورغم ذلك فإن واقع سياسة التعددية الثقافية في الغرب، ومن خلال تصريحات قادة كبار دوله، تثبت أن هذه السياسة فشلت ولم تحقق ما كان يصبوا إليه قادة ومسيروا تلك الدول.

ص. 65

وبقدر ما يدعي الغرب قدرته على النجاح في احتواء الفئات الثقافية المتباينة، وتحقيق القدر الكافي من إمكانية التعايش السلمي بين هذه الفئات، إلا أن تلك الدول كانت ولا تزال تعاني من تصدعات وتشققات على مستوى القبول بالتعددية داخل المجتمع الواحد (الوطن) فضلًا عن خارجه.

ويمكننا إجمال أسباب فشل سياسة التعددية الثقافية في الغرب في النقاط التالية:

1- الاضطراب الفكري:

تعجز المحاولات والجهود الفكرية في أوروبا عن وضع تصور عام صحيح للتعامل مع قضية التنوع الثقافي في داخل الدولة نفسها، فمن حيث النشأة لا تزال هذه القضية ليست ذات جذور فكرية عميقة في الاتجاهات الفكرية المعاصرة في أوروبا، ومن حيث تطور الواقع وانبعاث مزيد من الثقافات التي تفرض وتُوجِد متغيرات متجددة على الواقع؛ فإن هذه الليبرالية التي قامت عليها تلك الدول اتخذت موقف الدفاع عن البناء الذي شيدته الأكثرية هروبًا من حتمية الصراع أو انطماس الهوية القومية لتلك الدول.

ويختلف المفكرون في تفسير دواعي تطبيق سياسات التعددية الثقافية، كما يختلفون في إمكانية تحقيقه، فيذهب فريق من اليسار الاشتراكي إلى استحالة تحقيق التعددية الثقافية في ظل وجود تعددية طبقية اقتصادية قائمة على اللامساواة، ولذلك يتساءل جاكوب (2001) مستغربًا: "ما الذي يعنيه التعدد الثقافي في غياب التعدد الاقتصادي" (ص55).

بينما يذهب اليمين الليبرالي إلى الاعتقاد كما يقول باتريك ويست؛ بأن فكرة التعددية الثقافية قد "عملت وحسب في السنوات الأخيرة على تقسيم السكان إلى جماعات إثنية متنافسة، بحيث لم تعد أية جماعة منها تشعر بأنها تتقاسم مع غيرها روابط مشتركة" (مجيد، 2010، ص193).

وينحو هذا التخوف منحًا أشد حدة عند اليمين الليبرالي الأمريكي الذي يتصور أن دعاة التعددية الثقافية يستهدفون التقليل من شأن الثقافة الأمريكية وتفكيكها، كما يظنه أرثر شيلزنغر (مجيد، 2010، ص195).

ص. 66

وبعض المفكرين الغربيين يرى أن التعددية الثقافية وإقرار حقوق الأقليات تهدد المثل العليا لحقوق الإنسان كالمساواة بين الجنسية وحرية الاعتقاد وغيرها، كما يرون أنه تهديد لقيم الليبرالية التي يدعونها، فإيلين فينكلكروت مثلًا ترى أنّ احتضان الأمم المتحدة فكرة التعددية الثقافية تضمّن التخلي عن الفكرة الكلية العامة لعصر التنوير لمصلحة النسبية الثقافية (كيمليكا، 2011، ج1، ص21).

ومن هنا يتضح شدة وحدّة الاختلاف في التنظير لتقبل الثقافات المغايرة ضمن نسيج دولة قومية، فبينما يتجه فريق إلى استحالة تحقيق تعددية حقيقية؛ يذهب آخرون إلى التحذير من خطورة التعددية الثقافية على ما هو أهم، وهو الولاء والانتماء للدولة والوطن.

2- التكريس لأحادية فكرية:

يؤكد أنصار التعددية الثقافية في الغرب على "أن فكرة كون الدولة الديمقراطية الليبرالية دولًا حيادية من الناحية الإثنية الثقافية إنما هي فكرة باطلة بصورة واضحة" (مجيد، 2010، ص156)، فهذه الدول قد دشنت فعلًا توحيد لغة واحدة مشتركة وانتماءً إلى مؤسسات اجتماعية لا تراعي التعددية، وذلك في سبيل صهر كل الثقافات في بوتقة ذات صبغة واحدة هي الدولة أو الوطن.

ولا يزال الغرب يعيش أزمة حقيقية "تتستر بالتعددية لتكريس لأحادية فكرية تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب المرحلة الزمنية التي يعيشها العقل الغربي ... فالذهنية الغربية تتحرر من السلطة الكنسية لتقع فريسة في قبضة الدولة القومية" (بركات، 2010).

ص. 67

ولذلك بنت تلك الدول القومية قيمها الجديدة على مبادئ علمانية مادية بحتة، لكنها أيضًا أحادية صرفة، نجحت تلك الأحادية إلى حد ما وعبر مؤسساتها في إزالة الفواصل وإلغاء الحدود بين العام والخاص داخل كل قومية، لكنها كانت دائمًا عاجزة عن التصرف أمام أي تعددية، وأمام أي تعددية دينية على وجه الخصوص، نظرًا لقيامها على مبادئ تستبعدها تمامًا، وهو ما أوجد الخوف من الإسلام تحديدًا "إسلام فوبيا" إثر الأحداث التي تلت الحادي عشر من سبتمبر 2001 (بركات، 2010).

ويؤكد هذا الاستفتاء الذي "أجرته صحيفة واشنطن بوست بمناسبة مرور تسعة أعوام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والذي أكد أن 49% من الشعب الأمريكي لا يفضلون الإسلام (وليس المسلمين)، كما أكدته النتيجة الصادمة لاستفتاء معهد جالوب حيث أشار إلى أن نسبة 57% من الذين سُئلوا عما يعجبهم في الإسلام، أجابوا بـ (لا شيء) أو (لا أعرف)" (بركات، 2010).

لقد ظهر بوضوح أن تقبل الغرب لبعض الفئات الاجتماعية كالمهاجرين مثلًا كان لسبب ضرورة واحتياجات مادية تتطلّبها أسواق تلك الدول، ولكن لم تكن أبدًا قبولًا كاملًا بتلك الفئات -اجتماعيًا وفكريًا وسياسيًا-.

ورغم دعاوي التعددية والمناداة بها؛ فإن تلك الدول لا تأل جهدًا في محاولة صهر كل تلك الأقليات، أو اختلاق هوية موحدة، ولو في جوانب معينة كاللغة مثلًا، إذ أن نجاحها في توحيد مواطنيها تحت علم واحد ونشيد قومي واحد هو صورة مبدئية لمفهوم أكبر حول الرغبة في توحيد القيم الثقافية داخل إطار الوطن، فـ "جميع الأنظمة الغربية الأخرى -بما في ذلك بعض الأنظمة شديد التنوع، والتي تفاخر الآن بتنوعها مثل كندا- كانتْ تستهدف بشكل أو بآخر تقرير لغة قومية وثقافة قومية" (كيمليكا، 2011، ج1، ص85).

3- تكريس امتيازات الأكثرية:

ص. 68

سعت أوروبا إلى تطوير قدرتها على امتصاص ما هو غريب عليها من خلال تطوير مفهوم الأقلية، والتي لا توجد إلا في ظل وجود أكثرية، والنسبية في هذا المفهوم هو مصدر المشكلة كما يراها جورمز (دت) مساعد رئيس الشؤون الدينية التركية، إذ يرى أن "الأكثرية تميل باستمرار الى انتزاع الحقوق والامتيازات التي تتمتع بها من أيدي الآخرين (أي الأقلية). ولهذا السبب يمكن الجزم بأن حقوق الأقلية التي طرحتها أوروبا للرأي العام العالمي بمنتهى الفخر والعظمة ليست في الواقع إلا قانونًا دوليًا يعترف ضمنا بأن ليس هناك أية مساواة بين الأقلية والأكثرية. كما يتضح بأن العالم يسعى إلى حل هذه المشكلة انطلاقا من مفهوم خاطئ بتاتًا".

وهذا التقسيم النسبي لأكثرية وأقلية أوجد مفاهيم غير منضبطة أيضًا، كالتسامح مثلًا، والتي تفترض وجود طرف يصفح ويتسامح مع طرف آخر، ويحتمل وجوده ويحاول التعايش معه.

هذا التصور يوحي بأن أحد الأطراف له حق العيش بكامل الحرية والتصرف، بينما هنالك أطراف دخيلة تحاول استقطاع حقها في البقاء والاستمرار، وهو ما يتضمن وجود علاقة هيمنة، مطلوب فيه من الطرف القوي أن يسيطر على نفسه، ويحد من قدرته على إلحاق الضرر بالآخرين.

وينقل مجيد (2010) عن كيمليكا رؤيته بأن نسق بناء الدول هو من يعمل على تجريد الأقليات قوتها على نحو منظم دون انتهاك حقوق الفرد، ويؤكد ذلك بقوله: "والحقيقة هي أن عملية بناء الأمة يمكن أن تعمل على تحطيم الأقلية حتى إذا تمت العملية نفسها بموجب دستور ديمقراطي ليبرالي" (ص120).

كما يرى كيمليكا أن الرؤية الحديثة لليبرالية تجاه التعددية، هي أنها ترى أن العمل بحقوق الأقلية يزيد المشكلة تعقيدًا، إذ ليس بإمكان تلك الحقوق أن تمنع هيمنة ثقافة الأكثرية، بل قد تؤدي إلى توسيع نطاق الظلم. (مجيد، 2010، ص145).

ص. 69

ولا تزال كثير من الدول الغربية والتي تُظهر التماسك والقوة تعاني من قضية استيعاب تلك المكونات الثقافية المتباينة داخل الوطن، ويظهر ذلك من خلال السجالات الثقافية أو من خلال المشاكل التي تعاني منها بعض الفئات، كالأقليات أو المهاجرين أو السكان الأصليين، وبل ويصل الأمر أحيانًا إلى أبعد من ذلك، تتمثل في شكل اتخاذ تلك الفئات تدابير نحو استقلال أو انتزاع حكم ذاتي، وقد دللت الأحداث في شرق أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي على ذلك، كما لا تزال بعض الأقليات تسعى إلى ذلك كإقليم كاتلونيا الذي يسعى إلى الانفصال عن أسبانيا، ومعظم الويلزيين في إنجلترا يُساندون الاستقلال الذاتي لويلز، وكذلك مساندة معظم الفرانكفونيين في القسم الغربي من كندا لاستقلال إقليم كويبيك، ويؤيد معظم البورتوريكان في نيويورك الحكم الذاتي لبورتوريكو (رضوان، 2012).

4- النظر بدونية إلى الحضارات غير الغربية:

تفترض الدول المسيطرة أن الحضارات غير الأوروبية غير قادرة على تطوير خلفياتها الثقافية لفهم المؤسسات والمفاهيم الحديثة، وهذا "يمكن أن يقود إلى تجزئة المواطنة الديمقراطية إلى مجموعة متنوعة من الهويات الثقافية الجماعية التي يميل الأفراد إلى منحها ولائهم الأساسي. وهذه التجزئة يمكن أن تؤدي بسهولة إلى صراعات ثقافية. ومن أجل مواجهة هذا التحدي الناتج عن التعددية الثقافية، فإن أمام الديمقراطية خيارات مختلفة. من جهة، يمكنها أن ترفض منح منزلة سياسية مميزة للثقافات المختلفة وبدلا من ذلك تعطي أفضلية لانعتاق الأفراد من ثقافاتهم تلك" (غالي، 2010).

إن هذا الاختزال لحق الشعوب والحضارات في نطاق المواطنة وحدها يفرض واقعًا غير متكافئ بين من يدير عملية المواطنة ويضع قيمها ويحدد معالمها وبين بقية الفئات والأقليات التي لا تستطيع التحرك في ظل تلك القيود الموضوعة عمدًا، كما أن افتراض عدم قدرتها على استيعاب وفهم المفاهيم التي يراد فرضها هو مدخل آخر من أجل ممارسة حق الوصاية، وسلب حقهم في المشاركة العادلة.

5- تمايز الفئات والجماعات الثقافية:

ص. 70

حاجات الفئات والجماعات الثقافية المتمايزة تختلف من فئة إلى أخرى، فخصوصيات السكان الاصليين ليست هي نفسها خصوصيات المهاجرين أو الأقليات العرقية، بل إن خصوصيات طوائف الفئة الواحدة تختلف من مكان إلى آخر، فالمهاجرين إلى أوروبا مثلًا خصوصياتهم ليست هي نفسها خصوصيات المهاجرين إلى كندا، وتحدد الظروف والأحداث التاريخية والوضع الراهن في أي قُطر؛ نوع المطالبات والاحتياجات لكل فئة ثقافية.

ولذلك فإن وضع مثال أو نموذج واحد وتعميمه، هو أمر غير صائب، فالسياق الفكري الذي يفترض وجود إنسان عصري قادر على إقامة مجتمع عادل، لا يرقى إلى درجة التفاعل الحقيقي مع حقيقة وجود تعقيدات متعددة المستويات للتمايز والتنوع الثقافي، فالقيم في ثقافة ما قد لا تكون هي نفسها في ثقافات أخرى، ولا يمكن اختزال الواقع في صورة نمطية واحدة يحكمها منهج واحد، بل هناك عدة أشكال وصور للتنوع وتتطلب مناهج مختلفة في التقبل والتفاعل.

6- تحجيم قيم الانتماء للجماعة:

ويتم ذلك من خلال تشجيع الأفراد على التعايش والتفاعل في الحياة كأفراد مستقلين، وقطع أي ارتباط لهم بالجماعة، وذلك من خلال إقرار حقوق الفرد في التملك والتنافس والتصويت والمشاركة الفاعلة في المؤسسات والمنظمات وقطاع الإنتاج.

ص. 71

ورغم ذلك فقد غلبت النزعة الجماعية الفطرية في توجهات الأفراد، كما بقيت بعض الجماعات الثقافية وفية جدًا لمبادئها وقيمها، ولم تتفاعل بشكل كبير مع التحديث الفكري والثقافي، وارتبطت بالأرض أو الوطن الأم، ففي أوروبا لا تزال كثير من الجماعات المهاجرة على ارتباط وثيق بمواطنها الأصلية، وتقاوم الاندماج في هوية الدولة، بل وربما أوجدت مجتمعات منعزلة داخل الدول، وليست هذه هي المشكلة، بل المشكلة في عدم قدرة تلك الدول على تقبل هذا التوجه والتواجد، وتعتبره تهديدًا لوحدة الدولة وتطهيرًا عرقيًا للأكثرية من أجل تعددية سلبية برأيها (تاونسيند، 2011).

وينقل المسيري (2007) صورة عن تغييب وفصل الفرد عن مجتمعه الأصل على حساب المجتمع الأمريكي مثلًا، ويشير إلى أن "رقعة الحياة الخاصة آخذة في التآكل هي الأخرى، إذ يغزوها الإعلام والمؤسسات التعليمية المختلفة التي تدافع عن حداثة منفصلة عن القيمة فينخرط الجميع في الحياة الاستهلاكية الأميركية والتمركز حول الذات"

لكن هذا الانصهار ليس كاملًا، إذ أن أفواج المهاجرين لا زالت تتدفق، وتتسبب الخصوصيات الثقافية في انبعاثات ثقافية جديدة، تعيد المشهد السابق وتكرره، بل وتوجد تحديًا متجددًا.

7- تنامي مظاهر العولمة:

بعيدًا عن التعددية داخل الدولة الواحدة أو الوطن الواحد؛ فإن انتشار وسيادة مظاهر العولمة في معظم دول العالم هو الخطر الأكبر الذي يهدد التعددية الثقافية، وقابلية نمو أشكال وأنماط من الثقافات والخصوصيات الثقافية في ظل العولمة أصبحت موضع شك كبير.

وبرغم تعدد تعاريف ومفاهيم العولمة إلا أنها تتفق على أمر واحد وهو: الدعوة إلى تبني نموذج ثقافي معين، وسيادة النمط الثقافي الواحد، كما تسعى إلى قطيعة مطلقة مع الماضي من خلال تذويب كل الثقافات في الحاضر وباستخدام الأدوات والوسائل المتاحة، وإيجاد قيم استهلاكية عالمية مشتركة (الكنبوري، دت).

وبحكم حجم الدعم الكبير لهذا التوجه من قبل مجموعة الدول الكبرى، فإن كل ما لا يساير هذا التوجه فهو معرض للتهميش والانقراض.

ص. 72

وتمد الأسواق الاقتصادية ووسائل الاتصال الحديثة والانفجار الهائل للمعلومات؛ العولمة بمزيد من القوة والقدرة على إزاحة ثقافات كاملة من محيطها، وإحلال أخرى هجينة أو مستوردة مكانها، في صورة تشبه الإبادة، لتحل محلها ثقافات أقوى تخدم مصالح فئات ودول محددة.

لقد خلقت تحديات انصهار الثقافات المحلية وربما ضياعها في متاهات الزحام والمنافسة الثقافية الحاصلة بين الدول المتقدمة؛ حالات من التصادم المتزايد بين الثقافات المحلية المستندة على التاريخ والتراث وخصائص البيئة المحلية، وبين الثقافات الوافدة إليها (الشراح، 2002، ص524).

وفي أقل تقدير، فإن العولمة أجبرت العديد من الثقافات على تحديث نفسها من الداخل، وعلى الاستعارة الثقافية، من أجل مسايرة ومواكبة العولمة مع الاحتفاظ ببعض الخصوصيات الكافية لتمييزها.

إن ما سبق ذكره يؤكد البون الشاسع بين النظرية والتطبيق لمفاهيم التعددية الثقافية في الغرب، فرغم التباين في التأسيس الفلسفي أو النظري للمفهوم؛ إلا أن الواقع يكشف عن حالٍ أشد تباينًا وتنافضًا، بل ونقضًا لكل قيم التعددية من أجل بضع مصالح أو منافع قومية أو مادية.

وهنا يظهر تميز الإسلام ودعواته الصريحة من أجل بناء مجتمعات تنوعية تعددية لا تتسم بأي تفضيل لأي نزعة كانت، سواء قومية أو لونية أو لغوية، بل ولا يفرض أي نظرة أحادية في قراءة الأحداث والوقائع أو التعامل معها، وهذه المزية اكتسبها من خلال استناده على مصدر تشريعي سماوي، مع الإقرار بوجود الاختلاف وقبول الـمُسوغ منه.

ص. 73