تتضافر الشواهد الكونية والقواعد الشرعية الإسلامية على التأكيد على وجود التنوع والاختلاف في كل شيء، بما فيهم البشر، في عاداتهم وتقاليدهم وسلوكهم وثقافاتهم، وكذلك في أديانهم وعباداتهم، بل ويذهب الإسلام إلى أبعد من مجرد الاعتراف بالاختلاف إلى التعامل العادل مع هذا التمايز والتنوع القائم.
ويستمد الإسلام تعامله وتفاعله مع هذا الطيف الواسع من الاختلافات المتداخلة مما يلي:
1- توحيد الله سبحانه وتعالى:
وتوحيد الله سبحانه وتعالى هو إفراده بأفعاله، وكذلك إفراده بالعبادة، وهي الحكمة من خلق الخلق قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56)، ومن العبادة: الاستخلاف في الأرض وعمارتها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (يونس:14).
وما أرسل الله الرسل ولا أنزل الكتب إلا ليرشدوا الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (النحل:36)، "أي بأن اعبدوا الله ووحدوه" (القرطبي، 2003، ج10، ص103)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:25)، قال ابن كثير (2000): "فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضًا" (ج9، ص398).
ص. 79ولما كان الدين الإسلامي هو آخر الأديان؛ فقد احتوى ما قبله من الديانات، فأكد على ما فيها من التوحيد، ونسخ ما فيها من التشريعات، فهو مُصدِّق لها ومهيمن عليها، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة:48)، وقوله: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، أي: مؤتمنًا عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله، وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، وعن الوالبي، عن ابن عباس: (وَمُهَيْمِنًا) أي: شهيدًا. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسُّدِّي. (ابن كثير، 2000، ج5، صص245-246).
وهذا تأكيد على كل ما يتعلق بالتوحيد من أمور، ومن ذلك:
1- أن الخلق جميعًا يستوون في الأمر بوجوب توحيد الله سبحانه وتعالى، منذ خلق الله آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة، بغض النظر عن أعراقهم وأشكالهم وألوانهم ولغاتهم، فكل قوم أرسل الله إليهم من يدعوهم إلى عبادة الله وحده بلسانهم الذي ينطقون به، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم:4)، قال البغوي (1997): "بلغتهم ليفهموا عنه" (ج4، ص335)، فهذا الحق المطلق في توحيد الله عز وجل ليس ملكًا أو مختصًا بقبيلة أو قومية أو منطقة ما، بل هو واجب على جميع البشر باختلاف مشاربهم، وهم متساوون في الدعوة إليه، ومتكافئون في تحقيقه.
وحيث أن التوحيد هو ما اتفقت عليه الشرائع السماوية جميعًا، وأن الإسلام مؤكد لما قبله في هذا الجانب وناسخ لما سواه؛ فإن الحق هو في اتباعه والالتزام به، والناس أجمع يستوون في الدخول في الإسلام والتدين به، مهما تنوعوا واختلفوا فيما سواه من عادات ولغات وأعراق وألوان.
ص. 802- أن الأمر بتوحيد الله سبحانه وتعالى؛ إقرار بوجود ضده، وهو الشرك بالله عز وجل، وهذا الإقرار هو إقرار اعتراف لا إقرار قبول، فتعدد الآلهة وعبادة غير الله عز وجل هو أمر واقع لا يمكن إنكاره ولا تجاوزه، وهو ما اقتضته حكمة الله وإرادته، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة:213)، فالآية تقرر:
- أن الأصل هو التوحيد: "لأن الناس كانوا على ملة آدم عليه السلام، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض" (ابن كثير، 2000، ج2، ص297).
- الإقرار بوجود الاختلاف، وهو في الآية: ما يضاد التوحيد، وهو الشرك.
- أن الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو دعوة الناس إلى التوحيد، ونبذ الشرك.
- أن الهداية لن تشمل الناس جميعًا (وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، بل يتفرق الناس بين مؤمن وكافر، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (التغابن:2).
فإقرار هذا الاختلاف بالرغم من عدم قبوله؛ هو إقرار يستلزم وجود طريقة وأسلوب للتعامل مع من يختلف مع المسلمين في أعلى نقطة تمايز، وهي الأديان، باعتبارها أساس الثقافات والسلوكيات المتمايزة، وقد أشار إلى ذلك بيجوفيتش (1994) حين أكد على أن الثقافة هي وليدة الدين وهي صورة ونتاج تأثير الدين على الإنسان وعلى المجتمعات، كما أكد على أن "الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان، أو تأثير الإنسان على نفسه." (ص94).
3- أن الفطرة السليمة تتجه إلى الله سبحانه وتعالى بالتوحيد، وتدين له بالطاعة، وكل الناس مفطورون على ذلك، فقد ساوى الله تعالى بين خلقه كلهم في الفطرة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:30)، قال الماوردي (1993): "(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فيها تأويلان: أحدهما: صنعة الله التي خلق الناس عليها، قاله الطبري. الثاني: دين الله الذي فطر خلقه عليه، قاله ابن عباس والضحاك والكلبي يريد به الإسلام" (ج4، ص312).
ص. 81ولكن بعد هذه البدأة في الخلق والطبع الأصيل، يختلف الناس بحسب ما ينشؤون عليها، متأثرين بعامل البيئة وتأثير الوالدين، ففي الحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يحدث: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" (البخاري، 2002، رقم الحديث:1358، ص456)، قال القرطبي (2003): "وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه؛ فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة؛ يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته" (ج14، ص27)، ومن ثم فإن تأثر المولود بوالديه يبدلانه ويغيرانه عن هذه الخلقة وعن هذه المعرفة إلى ما سواها.
ويختلف الناس أيضًا ويحيدون عن الفطرة السليمة بحسب استجابتهم للشهوات والملهيات ونزغ الشياطين، ففي الحديث القدسي عن عياض بن حمار فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (النيسابوري، دت، ج4، رقم الحديث:2865، ص2197)، قال البغوي (1983): "أي: استخفتهم فجالوا معه، يقال: اجتال الرجل الشيء: إذا ذهب به وساقه" (ج14، ص408).
وهذا التأكيد على انحراف فئام من الناس عن الفطرة السليمة واتباع غير الدين الحق، هو تأكيد على وجود التنوع والاختلاف في الأديان والعقائد، وهم وإن كانوا لا يستوون في الحق، إلا أنهم مستوون في الخطاب وفي الأمر بوجوب اتباع الحق، بعيدًا عن أي متغير لوني أو عرقي.
2- تنوع واختلاف ما سوى الله عز وجل:
ص. 82إن تأكيد الله سبحانه على وحدانيته هو تأكيد على تعدد وتنوع واختلاف ما سواه عز وجل، يقول تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:1)، ويقول أيضًا: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر:4)، فاجتماع صفتي الواحدية والأحدية في الله عز وجل هو نفيه عن كل ما سواه، بل هو تأكيد على التنوع والاختلاف، وهو على مستويين: مستوى الكون ومستوى الإنسان.
1- على مستوى الكون. يتعدد كل شيء ويتنوع ويختلف بذاته وصفاته وخصائصه، فلا يكاد يطابق صنف صنفًا، ولا مادة مادة أخرى، يقول سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام:1)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات:49)، قال ابن كثير (2000): "أي: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات" (ج13، ص221)، وقال القرطبي (2003): "أي: صنفين ونوعين مختلفين" (ج17، ص53)، وقال الزحيلي (2009): "أي: وأوجدنا من جميع المخلوقات صنفين أو نوعين ضدين أو متقابلين" (ج14، ص45).
ويعضد ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يس:36)، قال الطبري (2001): "تنزيهًا وتبرئة للذي خلق الألوان المختلفة كلها من نبات الأرض، ومن أنفسهم" (ج19، ص433)، قال الزحيلي (2009): "أي تنزيهًا عن الشريك لله الذي خلق الأنواع والأصناف كلها من مختلف الألوان والطعوم والأشكال، من الزروع والثمار والنبات، وخلق من النفوس الذكور والإناث، وخلق مخلوقات شتى لا يعرفونها" (ج12، ص17).
وفي نفس المعنى السابق يقول تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ (الزخرف:12)، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:11).
ص. 83وهذا التنوع الكبير في الكون من أصغر الأشياء فيه إلى أكبرها، هو دليل على وحدانية الخالق سبحانه وتعالى، ودليل على وجوب التعاطي مع هذا التنوع وفهمه وتقبله باعتباره فرضًا كونيًا يستلزم التدبر والتفكر والتوصل به إلى تعظيم الله عز وجل، كما يستلزم الالتزام بالمنهج الصحيح في التعامل مع هذا التنوع على مستوى الإنسان نفسه، بحكم أن اتصاله وتفاعله مع التنوع الكوني جزء من مسببات تنوعه، وهو "أي الإنسان" ليس الكائن الوحيد المنفرد في هذا الكون، بل ومن مستلزمات استخلافه في الأرض: أن يتفاعل مع كل ما يحيط به ويجاوره من مواد وحيوانات ونبات متنوعة ومتمايزة تؤثر بشكل كبير في طريقة عيشه وكسبه وتفكيره، وتسهم في صياغة ثقافته ومبادئه، وترتبط بماضيه وإرثه.
2- على مستوى الإنسان. ويبدأ كل شيء من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (يونس:19)، قال الطبري (2001): "يقول تعالى ذكره: وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة واحدة (فَاخْتَلَفُوا) في دينهم، فافترقت بهم السبل في ذلك" (ج12، ص143)، وقال الزَّجَّاج (1988): "وقيل: ما كان الناس إلا أمة واحدة، أي ولدوا على الفطرة، واختلفوا بعد الفطرة"، وقال: "القضاء بينهم، لفَصل بينهم في وقت اختلافهم" (ج3، ص12)، فالإبقاء على الناس بعد اختلافهم وإمهالهم إلى يوم القيامة للفصل بينهم بحسب ما اقتضته حكمة الله تعالى، هو إقرار بوجود التنوع والاختلاف وضرورة التعايش معه، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى قادر على الفصل والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من الأديان، وإنما أمهلهم لإقامة الحجة عليهم وحتى لا يأخذهم على حين غرة، قال الزحيلي (2009): "وهو موعدهم يوم القيامة الذي جعله الله لحكمة بالغة هي إعطاء الفرصة الكافية للإنسان في تصحيح عقيدته، وتعديل وضعه، والتوبة من عصيانه وكفره وضلاله، حتى لا يؤخذ على حين غرة" (ج6، ص145).
ص. 84وفي موضع آخر يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود:118-119)، قال ابن كثير (2000): "أي: ولا يزال الخُلْفُ بين الناس في أديانهم، واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم" (ج7، ص488)، وقال أيضًا: "وللرحمة والاختلاف خلقهم، كما قال الحسن البصري في رواية عنه" (ج4، ص362)، وهو رأي عبدالله بن عباس رضي الله عنهما (الزحيلي، 2009، ج6، ص506)، فالآية الكريمة تقرر قدرة الله عز وجل على جعل الناس جميعًا على ملة أو دين أو رأي واحد، ولكن حكمته اقتضت وجود هذا الاختلاف بينهم، كما تقرر الآية أنه ورغم الاختلاف بينهم إلا أنهم مدعوون إلى الاتفاق ونبذ هذا الاختلاف، وأن ذلك صورة للتراحم بينهم، فبيْن الاختلاف والرحمة تستمر حياة البشرية إلى قيام الساعة، لاستحالة تحقيق أي منهما على وجه الإطلاق.
ورغم أن خِلقة الناس جميعًا واحدة، إلا أن صفات هذه الخِلقة تتمايز تمايزًا كبيرًا، فالكل له رأس واحد وعينان وأذنان ويدان ورجلان، ومع ذلك فهم لا يتشابهون مطلقًا، بل لابد من وجود فارق، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ (الروم:22)، قال ابن كثير (2000): "واختلاف ألوانهم وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض -بل أهل الدنيا- منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة: كل له عينان وحاجبان، وأنف وجبين، وفم وخدان. وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهرًا كان أو خفيًا، يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئة لا تشبه الأخرى" (ج11، ص21)، فالآية تأكيد على وجود الاختلاف في اللغات وفي الخِلقة والصفات، ليس على مستوى الجماعة، بل على مستوى الفرد نفسه.
ص. 85ولا يقتصر إقرار الإسلام للتعددية في ذكر وتأكيد وجود الاختلاف وحده، بل يتجاوزه ليذكر لنا أصلنا الواحد الذي بدأنا منه جميعًا، وتساوي الخلق أجمع في اتباع الحق، دون أي نظر أو ميل لأية اعتبارات أخرى كالعرق واللون مثلًا، وقد تكررت في القرآن الكريم الآيات التي تؤكد على أن أصل الناس جميعًا هو آدم عليه السلام، المخلوق من تراب، فينادي الله الخلق جميعًا نسبة إلى أبيهم، ومبينًا لهم مقياس التفاضل، فيقول جل وعلا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف:35)، فلا تفاخر بينهم بحسب أو نسب أو قبيلة أو جاه أو منصب أو سلطان، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال: "يا أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عُبيَّة الجاهلية وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب" (الترمذي، 1417، رقم الحديث:3270، ص739)، وعُبية الجاهلية: أي نخوتها وفخرها.
كما تؤكد عديد الآيات في القرآن الكريم على اشتراك الخلق جميعًا في الأطوار التي يمرون بها في خلقتهم الأولى في الأرحام، كإشارة إلى تساويهم جميعًا في البداءة والنشأة من العدم، في صورة عدالة مطلقة تدل على قدرة الله وقوته وكمال عدله، كما تدل على أحقيتهم جميعًا في العيش إلى الأجل المقدر والمكتوب لهم دون أي تمييز، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (الحج:5)، فالآية تأكيد على مرور الناس جميعًا بهذه الأطوار عند خلقتهم، كما هي تأكيد على بعثهم جميعًا للجزاء والحساب.
إن هذه التأكيدات من المصادر التشريعية في الإسلام لكل من: وجود الاختلاف، والمساواة في الحق؛ هي أول بنود التعامل والتعاطي مع هذا التنوع والتمايز الكبير بين الناس في عباداتهم وعاداتهم وسلوكهم وآرائهم وثقافاتهم وطرق عيشهم ووسائل كسبهم، وعليها تبُنى مراعاة الإسلام للتعددية بعد الأخذ بالضوابط الشرعية الكفيلة بتحقيقها.
ص. 863- إقرار التنوع والتعامل معه:
لا يمكن حصر صور إقرار التنوع والتعامل معه، الواردة في المصادر الشرعية أو في السيرة النبوية، فقد تعامل الإسلام مع هذا التنوع باعتباره حقيقة كونية، وباعتبار استحالة اتفاق الناس كلهم على دين أو كلمة واحدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:99)، قال ابن كثير (2000): "(أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) أي: تلزمهم وتلجئهم (حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل إلى الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء" (ج7، ص404)، فلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أن يدعو الناس إلى الشريعة الإسلامية دون إكراه أو إجبار، ولم يكن الله ليهديهم جميعًا إلى الحق، لأن ذلك ما اقتضته حكمته وإرادته سبحانه وتعالى حسب علمه المسبق بما سيكونون عليه.
ويمكن ذكر بعض أدلة إقرار التنوع والاختلاف فيما يلي:
1- راعى الله أحوال الأقوام والأمم السابقة، فلم يبعث إليهم إلا رسولًا منهم، يعرفهم ويعرفونه، ويتحدث بلغتهم، ليبين لهم طريق الهداية فيهتدوا، أو يخالفوه فيضلوا، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون:32)، قال القرطبي (2003): "أي من عشيرتهم، يعرفون مولده ومنشؤه ليكون سكونهم إلى قوله أكثر" (ج12، ص121)، ويسند ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ (النحل:89)، قال الزحيلي (2009): "(شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) هو نبيهم، فإن نبي كل أمة بعث منهم" (ج7، ص521).
ص. 87ولا شك أن نبي كل قوم تحدث إليهم بلغتهم التي يفهمونها، لتكون رسالته إليهم واضحة، فليسوا بحاجة إلى تعلم لغة أخرى أو التخلي عن لغتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم:4)، "هذا من لطفه تعالى أنه يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم" (الزحيلي، 2009، ج7، ص220)، وقال السعدي (2002): "وهذا من لطفه بعباده أنه ما أرسل رسولًا (إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ما يحتاجون إليه، ويتمكنون من تعلم ما أتى به، بخلاف ما لو كانوا على غير لسانهم، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك اللغة التي يتكلم بها، ثم يفهمون عنه" (ص421)، ويعضد ذلك ما رواه أبو ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يبعث الله نبيًا إلا بلغة قومه" (ابن حنبل، 1999، رقم الحديث:21410، ص323).
وهذا التوجيه من الله سبحانه وتعالى هو أسمى صورة توضح كيفية التعامل مع التنوع والاختلاف بين البشر، حيث أنه وفي تبليغهم بتوحيد الله عز وجل وتبليغهم بالغاية التي خلقوا من أجلها؛ لم يطلب منهم تغيير لغاتهم أو توحيدها مع لغة أخرى، بل وحتى رسولهم الذي أُرسل إليهم؛ يعرفهم ويعرف عاداتهم وثقافتهم، ويكون مؤيدًا بآيات هي من جنس ما برع به قومه، فموسى عليه السلام أُرسل إلى بني إسرائيل مؤيدًا بآيات هي من جنس ما اشتغل به قومه وبرعوا فيه وهو السحر، وعيسى عليه السلام أُيد بقدرته على علاج الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وهي من جنس ما برع به قومه وهو الطب، وأُرسل محمد صلى الله عليه وسلم إلى قومه العرب ابتداءً مؤيدًا بجنس ما برعوا به من الخطابة والفصاحة والبلاغة، حيث كان القرآن الكريم معجزته إليهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن -أو آمن- عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (البخاري، 2002، رقم الحديث:7274، ص1797).
ص. 882- اشتمل القرآن الكريم على ذكر قصص وأمم وديانات كثيرة ومتعددة، ففي ذكر تلك الأمم يبين الله لنا حالها، ورسولها الذي أرسل إليها، كما ذكر لنا ما كان مشهورًا من أعمالها وعاداتها، فقوم عاد مثلًا؛ أرسل الله إليهم نبيهم هود عليه السلام، والذي قال لهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (الشعراء:128-130)، وأما صالح عليه السلام فقد عاتب قومه ثمود قائلًا: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (الشعراء:146-149)، وشعيب عليه السلام قال مخاطبًا قومه في مدين: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء:181-183)، فلم ينتقص الله عز وجل صنعة تلك الأقوام وما اشتهروا به من حرف وعادات، إلا ما كان من قبيل كفرهم، وعدم شكرهم الله على ما أنعم به عليهم، أو ما كان تكذيبًا لأنبيائهم.
ولم تكن كل تلك الأنماط والسلوكيات الخاصة بالأمم السابقة مقبولة، بل أن بعضها كانت مرفوضة رفضًا قاطعًا، وتسببت بدمار وهلاك فاعليها، كما هو في قصة قوم لوط عليه السلام، وكذلك بنو إسرائيل وقتلهم أنبيائهم، والسنة النبوية مليئة بذكر قصص الأمم السابقة وما اشتهروا به، وما آلوا إليه من مآل.
كما أن القرآن الكريم عَدّد بعضًا من الديانات السابقة، وبعضها ديانات سماوية حقة منزلة من عند الله عز وجل، قبل أن يدخلها التحريف والتبديل، وبعضها ديانات وضعية ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج:17)، قال ابن كثير (2000): "فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم، وما تُكِن ضمائرهم" (ج10، ص24).
وتعداد القرآن الكريم لهذا التنوع الكبير، وكذلك التعامل مع كل تنوع وُجد؛ هو تأكيد على حرص الإسلام على التعامل الصحيح معها، ليكون قادرًا على احتوائها، ويكون سببًا في هداية الخلق في سيرهم إلى خالقهم.
ص. 893- خاطب الله سبحانه وتعالى البشرية أجمع بخطاب عام موحد في كتابه الكريم، خاطبهم داعيًا لهم إلى الحق، كما خاطبهم محذرًا ومنذرًا، بغض النظر عن أعراقهم وألوانهم وأماكن عيشهم، موحدًا بينهم في أخذ الحق واتِّباعِه، لاغيًا كل ما يتفاضلون به بينهم، من مال أو جاه أو قومية، قائلًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)، جاعلًا سبحانه وتعالى التقوى مقياس التفاضل، فكلهم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة، وإن تفرقوا شعوبًا وقبائل.
وتكرر النداء والخطاب للناس أجمع في عشرين موضعًا من كتاب الله عز وجل.
ولأن الإسلام هو آخر الأديان السماوية، وهو الناسخ لما قبله، فقد خاطب الله المؤمنين خطابًا موحدًا في تسع وثمانين موضعًا في كتابه الكريم، ولم يخص قومًا دون قوم، أو لغة دون أخرى، أو لونًا دون لون، بل المؤمنون جميعًا إخوة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10)، قال القرطبي (2003): "أي في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب" (ج16، ص 322)، فالإسلام جمع الناس كلهم تحت مظلة واحدة يستوون في الواجبات والحقوق فيما بينهم، بل ويسند بعضهم بعضًا، فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (النيسابوري، دت، ج4، رقم الحديث:2586، ص1999)، وفي الحديث الآخر عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا". وشبك أصابعه عليه الصلاة والسلام (البخاري، 2002، رقم الحديث:481، ص128).
ص. 90ولا تقتصر العلاقة بين المسلمين في صوره الإيجابية فقط، بل وورد التنبيه والتحذير من أي سلوك خاطئ أو غير سوي قد يضر العلاقة بينهم، يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات:11)، قال ابن كثير (2000): ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، ... فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له. (ج13، ص154)، ويسند ذلك ما ورد في الحديث عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (البخاري، 2002، رقم الحديث:2442، ص591).
فهذا النداء العام للناس أجمع برغم تباينهم واختلافهم هو دليل على تساويهم في الدعوة إلى الحق وقبوله، كما أن الحرص على توحيد المسلمين تحت نداء واحد، وحثهم على نبذ كل ما يؤدي ويفضي إلى العداوة والبغضاء؛ كله دليل على مراعاة الإسلام للتنوع والاختلاف بين الناس، وحرصه على التعامل العادل مع الأطياف والفئات المختلفة.
ويتضح من منطلقات التعددية في الإسلام أن التنوع والاختلاف الحاصل بين البشر جميعًا، بل بين الكائنات كلها، ليس من قبيل المصادفة أو العشوائية، فهذا لا يجوز في حق الله عز وجل، بل خلق الله كل ذلك لحكمة بالغة ومقصد عظيم، قد نعرف بعضها بحكم إخبار الله عز وجل عنها، وقد نجهل بعضها الآخر.
ص. 91فمن صفات الله عز وجل: تدبيره لهذا الكون وتصريفه له، إذ يقول سبحانه وتعالى عن نفسه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس:3)، أي "قاضيًا في خلقه ما أحب، لا يضاده في قضائه أحد، ولا يتعقب تدبيره متعقب، ولا يدخل أموره خلل" (الطبري، 2001، ج12، صص113-114)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (الرعد:2)، قال الزحيلي (2009): "(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) أي إن الله تعالى يدبر أمر الكون ويصرفه على وفق إرادته ومقتضى حكمته، فيحيي ويميت، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويهيئ الأسباب للنتائج والمسببات، ويسير الأفلاك في نظام دقيق ثابت لا يخطئ ولا يتغير." (ج7، ص114). فتعالى الله أن يكون قد أوجد كل تلك التنوعات والتمايزات عبثًا، بل إنه سبحانه وتعالى ذكر لنا في كتابه أسبابًا وحِكمًا لوجود الاختلاف بين الناس، ومن ذلك:
1- الابتلاء والاختبار:
ص. 92يُسهم التنوع -الموجود في جوانب متعددة من حياة الإنسان- في تحديد قدرة الإنسان على التعرف على الحق واتِّباعه، والصبر على الأذى فيه، كما أن هذا التمايز بين الناس محنة تحدد قدرة الإنسان على كبح جماح النفس في ميلها للتفاخر واحتقار الآخرين والسخرية منهم، أو إذلالهم والنظر إليهم بدونية، وهذا الابتلاء ممزوج بطلب السعي والسير إلى الله عز وجل واكتساب الخيرات بفعل الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة:48)، "(وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ) ليختبركم، (فِي مَا آتَاكُمْ) من الكتب وبيّن لكم من الشرائع، فيتبين المطيع من العاصي، والموافق من المخالف، (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) فبادروا إلى الأعمال الصالحة" (البغوي، 1997، ج3، ص66)، وقال الزحيلي (2009): "لكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة إذ لا تصلح شريعة واحدة لكل الأزمان والشعوب، بسبب تفاوتهم في الرقي والنضج العقلي، فلما تقاربت البشرية شرع لها شريعة واحدة، وأن الهدف من تشريعه شرائع مختلفة: هو اختبار عباده فيما شرع لهم، لينظر الطائع فيثيبه، والعاصي بما فعله أو عزم عليه فيعاقبه" (ج3، ص570)، كما تدل الآية على أن حساب وجزاء من لم يجتز هذا الابتلاء إنما يكون في الآخرة، بعد رجوع الخلق جميعًا إليه ليفصل ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، بينما أرشدنا إلى المنهج الصحيح للتعامل مع المخالف الشرعي دينًا وعقيدة بقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:125)، قال ابن كثير (2000):
قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة، أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكّرهم بها، ليحذروا بأس الله تعالى.
وقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كما قال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (العنكبوت:46) فأمَره تعالى بلين الجانب (ج8، ص368).
ورغم أن التنوع والاختلاف في الإيمان والكفر حقيقة قائمة مستندة على حكمة الابتلاء؛ فقد كتب الله سبحانه وتعالى الهداية لبعضهم، كما كتب الضلال على بعضهم الآخر، دون تمييز أو اعتبار لأي متغير آخر كالعرق واللون واللغة مثلًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:93)، أي: "(وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) بخذلانه إياهم، عدلًا منه فيهم. (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بتوفيقه إياهم، فضلًا منه عليهم، ولا يسأل عما يفعل بل تُسألون أنتم" (القرطبي، 2003، ج10، ص172).
ص. 932- التسخير:
يُثري التنوع والاختلاف البشري؛ التجربة الإنسانية، ويمدها بالخبرة والقدرة على التطور والتحسن من خلال تبادل المعارف والخبرات والمنتجات، ومن خلال تلاقح الأفكار وتلاقيها.
فسكان البادية يختلفون عن سكان الحاضرة، ومن يسكن الساحل يختلف عن من يسكن الجبال، وكلٌ له صنعته وحرفته وطريقة عيشه وأسلوب حياته الخاص، وكلهم محتاج إلى الآخر لتسيير حياته، وهذا هو ما تشير إليه كلمة: تسخير، من معنى، ففي الصحاح: "سَخره تسخيرًا: كلفه عملًا بلا أجرة" (الجوهري، 1987، ج2، ص680)، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف:32)، أي : "نحن الذين نقسم الأرزاق والحظوظ بين العباد، ونفضل بعضهم على بعض درجات في القوة والضعف، والعلم والجهل، والشهرة والخمول، والغنى والفقر، لأنا لو سوينا بينهم في هذه الأحوال لم يتعاونوا فيما بينهم، ولم يتمكنوا من استخدام بعضهم بعضًا، فيكون بعضهم سببًا لمعاش بعض، وإلا فسد نظام العالم" (الزحيلي، 2009، ج13، ص154)، وقال الشوكاني (2007) موضحًا توضيحًا دقيقًا لمفهوم الآية:
ليستخدم بعضهم بعضًا، فيستخدم الغنيّ الفقير، والرئيس المرؤوس، والقويّ الضعيف، والحرّ العبد، والعاقل من هو دونه في العقل، والعالم الجاهل، وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتمّ مصالحهم، وينتظم معاشهم، ويصل كلّ واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين، فجعل البعض محتاجًا إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا، ويصنع هذا لهذا، ويعطي هذا هذا (ص1339).
ص. 94فما حركة التجارة والصناعة والزراعة والرعي وغيرها إلا نتيجة هذا التنوع بين الناس واختلافهم وتمايزهم، وما الثراء المعرفي والعلمي إلا نتيجة تبادلها بين الناس شعوبًا وأجناسًا.
3- التعارف لا التفاخر:
الجنس والعرق واللون واللغة وغيرها من متغيرات التنوع، ليس لها أية مزية حقيقية إلا أن تتميز بالإيمان بالله وحده، والالتزام بشرعه سبحانه وتعالى، وقد أكد الله على ذلك، وبين أنه جعل الناس شعوبًا وقبائل للتعارف، فيُعرف كل شخص بقومه وبمن يُنسب إليهم فيتميز عن غيره تمايز التعريف لا تمايز التفضيل، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)، أي "ليعرف بعضكم بعضًا في النسب" (الطبري، 2001، ج21، ص386)، وقال الجزائري (1997): "كل هذا لحكمة التعارف فلم يجعلكم كجنس الحيوان لا يعرف الحيوان الآخر ولكن جعلكم شعوبًا وقبائل وعائلات وأسر لحكمة التعارف المقتضي للتعاون، إذ التعاون بين الأفراد ضروري لقيام مجتمع صالح سعيد، فتعارفوا وتعاونوا ولا تتفرقوا لأجل التفاخر بالأنساب، فإِنه لا قيمة للحسب ولا للنسب إذا كان المرء هابطًا في نفسه وخلقه وفاسدًا في سلوكه" (ج5، ص131)، ويسند ذلك ما ورد من النهي عن التفاخر بالأنساب، أو التفريق بين الناس بسبب ألوانهم، ومن ذلك خطبة النبي صلى الله عليه وسلم أيام التشريق إذ يقول: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله" (ابن حنبل، 2001، رقم الحديث:23489، ص474).
فلا باللون يتفاضلون، ولا بالنسب ولا بالوضع الاجتماعي، بل كل الناس مسخرٌ بعضهم لبعض، وكلٌ محتاج إلى الآخر، وإنما التفاضل بالدين والتقوى.
ص. 95